عرض كتاب.. البيان السديد في إعتقادات الصدوق و المفيد للموسوي الجابري
أولًا : تعريف عام بالكتاب و هدفه..!!
يُعدّ هذا الكتاب دراسة عقدية مقارنة تهدف إلى تحليل اعتقادات الشيخ الصدوق (ت 381هـ) و الشيخ المفيد (ت 413هـ) ، و بيان مواطن الإتفاق و الإختلاف بينهما في أصول العقيدة الإمامية ، مع تفسير أسباب هذا الإختلاف في ضوء المنهج المعرفي ، و البيئة الفكرية ، و طبيعة الأدوات الكلامية المعتمدة عند كل واحد منهما .
ولا يقف المؤلف عند حدود العرض التاريخي ، بل يسعى إلى تصحيح الفهم الشائع القائل بوجود تعارض جوهري بين المدرستين ، و يؤكد أن الخلاف – في معظمه – منهجي تعبيري لا عقدي جوهري ..!!
ثانيًا : المنطلقات المعرفية و المنهجية للبحث
1. أهمية العقيدة في بناء الإنسان : يؤكد المؤلف في المقدمة أن العقيدة الصحيحة تمثل الأساس الجوهري لسلوك الإنسان و فكره و مصيره ، و أن الإنحراف فيها يؤدي إلى إضطراب الفرد و المجتمع ، بينما صحة العقيدة تفتح طريق الكمال و السعادة الدنيوية و الأخروية .
2. دواعي التأليف: كثرة الإتهامات الموجهة إلى الشيخ الصدوق بالتجسيم أو الإعتماد الحرفي على النصوص . إتهام الشيخ المفيد بالمبالغة العقلية أو مخالفة ظواهر الأخبار.الحاجة إلى دراسة علمية هادئة تضع آراء الشيخين في سياقها التاريخي و العلمي .
3. المنهج المعتمد أعتمد المؤلف على :التحليل النصي لكتب الصدوق و المفيد . المقارنة الموضوعية بين آرائهما في كل مسألة ، و التمييز بين العقيدة و التعبير العقدي . ربط الآراء بالسياق الكلامي و الإجتماعي و العلمي .
ثالثًا : الإطار التاريخي و الفكري للشيخين
1. البيئة العلمية للشيخ الصدوق عاش في بيئة يغلب عليها التيار الحديثي النصّي .
تأثر بكثرة الروايات و ضرورة الدفاع عن العقيدة أمام الإتجاهات المخالفة .أعتمد على ظواهر النصوص مع تسليم إجمالي بالتنزيه .
2. البيئة العلمية للشيخ المفيد
عاش في بغداد ، مركز الجدل الكلامي و الفلسفي ، و واجه المعتزلة و الأشاعرة و الفرق المختلفة ، تبنّى منهجًا عقليًا كلاميًا منضبطًا بالنص .
و يؤكد المؤلف أن هذا الإختلاف البيئي كان له أثر مباشر في أسلوب العرض لا في جوهر الإعتقاد .
نفي التشبيه
رابعًا : أبرز القضايا العقدية محل الدراسة
1. التوحيد والصفات الإلهية
الشيخ الصدوق : يثبت الصفات الواردة في النصوص ، مع نفي التشبيه إجمالًا ، دون الخوض في التأويل التفصيلي .
الشيخ المفيد : يؤكد التنزيه العقلي ، و يرفض ظواهر الألفاظ الموهمة للتجسيم ، و يلجأ إلى التأويل .
نتيجة المؤلف : الإتفاق في المضمون ، و الإختلاف في الأسلوب و المنهج .
2. مسألة الرؤية الصدوق يورد الروايات الواردة في الرؤية مع تفسيرها بما لا يستلزم التجسيم .
المفيد ينفي الرؤية البصرية مطلقًا ، و يؤكد الرؤية القلبية أو العلمية .
الخلاف هنا لفظي تعبيري لا عقدي .
3. الجبر و التفويض (الأمر بين الأمرين)
يتفق الشيخان على الموقف الإمامي المعروف ، أختلافهما يظهر في الشرح و التحليل لا في أصل الاعتقاد .
4. العصمة الصدوق يثبت العصمة إعتمادًا على النصوص..
المفيد يعززها بالدليل العقلي مع النص ، و الاتفاق تام في النتيجة .
5. الإيمان و الكفر الصدوق يميل إلى العرض الروائي ، و المفيد يضع تعريفًا كلاميًا تحليليًا ، و الإختلاف منهجي لا مضموني .
خامسًا : أسباب الإختلاف بين الشيخين
يفرد المؤلف تحليلًا مهمًا لأسباب التباين و يحددها في :
1. إختلاف المنهج : حديثي عند الصدوق .. و كلامي عقلي عند المفيد .
2. طبيعة الجمهور المخاطَب .
3. المرحلة التاريخية و تحدياتها .
4. تطور علم الكلام الإمامي بين القرنين الرابع و الخامس .
و يؤكد أن هذه الأسباب لا تمس وحدة العقيدة الإمامية ، بل تعكس حيويتها و مرونتها العلمية .
سادسًا : تقييم المؤلف للمدرستين...ينفي المؤلف أي تعارض جوهري بين المدرستين .
يرفض القراءة الإنتقائية لنصوص الصدوق ، و يدافع عن عقلانية المفيد المنضبطة بالنص ، و يدعو إلى تكامل المنهجين بدل جعلهما في حالة صراع .
سابعًا : النتائج العامة للكتاب
1. الشيخ الصدوق و الشيخ المفيد يمثلان إتجاهين متكاملين في الفكر الإمامي .
2. الخلاف بينهما أسلوبي و منهجي لا عقدي .
3. المدرسة الإمامية قادرة على إستيعاب النص و العقل معًا .
4. كثير من الإشكالات المعاصرة ناتجة عن سوء الفهم التاريخي .
5. ضرورة إعادة قراءة التراث العقدي قراءة علمية غير أيديولوجية .
خاتمة تقييمية يُعدّ كتاب «البيان السديد» عملًا علميًا رصينًا ، أسهم في تصحيح صورة الخلاف العقدي داخل المدرسة الإمامية ، و أعاد الإعتبار للمنهج المقارن الهادئ ، و أثبت أن التنوع المنهجي كان عنصر قوة لا ضعف .
و الكتاب يُنصح به :
لطلبة العقيدة و الكلام ،
و للباحثين في تاريخ الفكر الإمامي .
لكل من يسعى إلى فهم مناهج العلماء بعيدًا عن التصنيفات السطحية .