الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التواصل الإجتماعي يرفع الغطاء عن المجتمع

بواسطة azzaman

التواصل الإجتماعي يرفع الغطاء عن المجتمع

العلاء صلاح عادل

 

لم تكن شبكات التواصل الاجتماعي، منذ ظهورها وانتشارها الواسع، عامل إفساد طارئ على المجتمعات بقدر ما كانت لحظة كشف كبرى لما كان متراكمًا في العمق الاجتماعي والثقافي. فالخطاب السائد الذي يُحمِّل هذه المنصات مسؤولية كل مظاهر التدهور القيمي والسلوكي يبدو أقرب إلى تبرئة الذات الجماعية منه إلى تشخيص حقيقي للمشكلة. إذ إن ما نراه اليوم من عنف لفظي، أو استقطاب حاد، أو خطاب كراهية، أو سطحية مفرطة في المحتوى، لم يولد مع “فيسبوك” أو “إكس” أو “تيك توك”، بل كان موجودًا قبلها بسنوات طويلة، غير أن فضاءه كان أضيق وصوته أخفت. في المجتمعات التقليدية، كانت الرقابة الاجتماعية، والخوف من الوصم، وهيمنة الأعراف، تفرض على الأفراد أقنعة سلوكية وأخلاقية تُخفي الكثير من القناعات الحقيقية. كان الناس يقولون شيئًا في العلن ويمارسون نقيضه في الخفاء، ويُظهرون التزامًا بالقيم بينما يتجاوزونها في دوائرهم المغلقة. ومع مجيء شبكات التواصل الاجتماعي، سقط هذا الحاجز، وانتقل التعبير من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام، فبدت الصورة أكثر قسوة ووضوحًا، لا لأن المجتمع تغيّر فجأة، بل لأن ما كان مستورًا أصبح مرئيًا. لقد منحت هذه المنصات الصوت لمن لا صوت لهم، وكسرت احتكار الرأي، وألغت دور (حارس البوابة) الذي كان يفلتر الخطاب في الصحف والفضائيات. وبهذا المعنى، فإن وسائل التواصل لم تصنع الأفكار، بل أزاحت الغطاء عنها. فظهرت النزعات المتطرفة كما هي، وتكشفت هشاشة الوعي العام، وبانت الفجوة بين الخطاب الأخلاقي المعلن والسلوك اليومي الفعلي. هذه الصدمة لم تكن صدمة التكنولوجيا، بل صدمة المجتمع حين واجه نفسه دون مساحيق. المشكلة الحقيقية لا تكمن في المنصات بحد ذاتها، بل في غياب التأهيل الثقافي والتربوي للتعامل مع حرية التعبير. فالمجتمعات التي لم تُدرّب أفرادها على التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، والمسؤولية الأخلاقية للكلمة، وجدت نفسها أمام فضاء مفتوح بلا ضوابط داخلية. عندها تحولت الحرية إلى فوضى، والتعبير إلى إساءة، والاختلاف إلى صراع، لا لأن المنصة فرضت ذلك، بل لأن البنية الثقافية لم تكن مهيأة له. ومن الأسهل دائمًا اتهام الأداة بدل مساءلة الإنسان. فالهاتف الذكي لا يصنع الكراهية، والخوارزميات لا تخلق النفاق، والمنصات لا تزرع التفاهة من فراغ. إنها تضخّم الموجود، وتعيد إنتاجه بصوت أعلى وتأثير أوسع. ولهذا فإن تحميل شبكات التواصل الاجتماعي مسؤولية “إفساد المجتمع” هو في جوهره هروب من مواجهة الأسئلة الأصعب: ماذا عن دور الأسرة؟ ماذا عن المدرسة والجامعة؟ ماذا عن الخطاب الديني والإعلامي؟ وماذا عن ثقافة النقد والمساءلة؟

إن أخطر ما فعلته شبكات التواصل الاجتماعي أنها أزالت الوهم. وهم المجتمع المتماسك أخلاقيًا، والمتفق قيميًا، والمتجانس سلوكيًا. كشفت التناقضات، وعرّت الازدواجية، وأظهرت أن الأزمة ليست أزمة منصات، بل أزمة وعي. ومن هنا، فإن كسر المرآة لا يُصلح الصورة، بل يترك العيب على حاله. أما الإصلاح الحقيقي، فيبدأ بالاعتراف بأن وسائل التواصل الاجتماعي لم تفسد المجتمع، بل أجبرته على رؤية نفسه كما هو، بكل ما فيه من تناقضات، ونقائص، وإمكانات مؤجلة للنضج والتغيير.

 

 


مشاهدات 49
الكاتب العلاء صلاح عادل
أضيف 2026/01/14 - 1:26 PM
آخر تحديث 2026/01/15 - 7:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 248 الشهر 10979 الكلي 13118402
الوقت الآن
الخميس 2026/1/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير