الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شلال تيزاب يغسل الأموال ويدنّس الدولة

بواسطة azzaman

شلال تيزاب يغسل الأموال ويدنّس الدولة

مروة الخفاجي

 

إنتظم غسيل الأموال في العراق ضمن فلسفة فساد متكاملة تُمارَس بهدوء تديره عقول تعرف جيدا كيف تُحول الخراب الى نظام والجريمة إلى روتين والمال القذر إلى “شرعية” إيماناً بلعبة المشاطرة التي تتنافى مع قيم الإيمان، وخسائرها الأخلاقية أكبر من منافعها المادية؛ لأن النتيجة (مال اللبن للبن ومال الماء للماء) والعاقبة للمتقين.

يُرى الفاسدون سائرين في شوارع الدولة من دون خوف، يتجولون بين أروقة القانون وأزقة الدستور في فضاءات رسمية مرهفة الحساسية، كما لو أن فسادهم نزاهة وجرائمهم براءة و... لكنهم مرعوبون من داخل ذواتهم.. يحسدون الفقير؛ لأنهم إستحوذوا على مال لا يجرؤون على التخلي عنه، وربما هو الذي أنشب مغرياته في أضلاعهم.. فـ... لا فكاك.

بينما الفقير لم يرَ الذئب؛ فلن يقرأ معوذاته، آمن بإنتظار رحمة الله ساعياً الى رزق حلال.. يواظب من دون هوادة، وخريطة طريقه نحو الغنى ثراءٌ بهدي الرب ورسم القوانين المتبعة ورضا الناس، فإن ربح أو خسر.. في كلتا الحالتين.. ينام رغداً، داعياً الرب مزيداً من نجاحات.

منجز شرعي

النجاح هو تحقيق منجز شرعي وقانوني ويباركه الناس، أما الإلتفافات، فمهما حققت يظل المتربح منها غير مقتنع لأنها ليست من صنعه إنما تلبية لإشتراطات المتواطئين معه ضد الوطن والدين والشعب!

فما أبأس نجاح بطعم الفشل! وما أتعس رفاه أقسى من الحرمان!

في العراق لا يغسل المال، بل تغسل الضمائر أولاً، من اقتصاد الحاجة إلى إقتصاد الجريمة، إذ أن بعد 2003، لم يدخل العراق مرحلة السوق الحر بقدر ما دخل مرحلة السوق المنفلت، من حيث إقتصاد لا رقابة تؤطره.. دولة تُعاد صياغتها على عجل، ومؤسسات هشة تبحث عن توازن وسط صراع السلطة والسلاح.

هنا وُلد غسيل الأموال كـ”حل ذكي” لمن يملك النفوذ ولا يملك الشرعية؛ فلم يأتِ المال القذر طارئًا، بل نتيجة طبيعية لـ:

إقتصاد ريعي يعتمد على النفط.

حدود سائبة.

مصارف ضعيفة أو مُسيَّسة.

طبقة سياسية ترى الدولة غنيمة لا عقدًا إجتماعيًا.

المفارقة الفلسفية: هي أن المال ينجو والقانون يغرق بين سطور الصفحات التي كتب عليها، متعفناً متصدئاً لا يؤخذ به؛ لأن قانون رواية (حديقة الحيوان) لجورج أورويل، ينص في أحد بنوده، على أن «حيوانات الحديقة متساية، لكن البعض أكثر تساوياً» وجيب ليل وخذ عتابة في تفسير الـ (أكثر تساوياً).

ربما التباين بين المنطقة الخضراء، التي تركت باقي خريطة العراق منطقة حمراء، هي التي تفسر هذا البند من دستور رواية (حديقة الحيوان) للكاتب البريطاني جورج أورويل (25 حزيران 1903 – 21 كانون الثاني 1950).

فمزدوجو الجنسية والمتوجون بالعمائم والمحتكمون على ميليشيات ودهاقنة الفساد جهلة السياسة (أكثر تساوياً) في العراق من حيوانات أورويل.

في الفلسفة الأخلاقية، يُفترض أن يكون المال وسيلة، لا غاية، معادلة إنقلبت في العراق، المال أصبح هو الأخلاق، ومن يملكه يكتب القانون حسب مصالحه، مرجئاً ما لا ينفعه ومتريثاً بالحيادي ومفعلاً ما يشرعن فساده.

توظيف البديهيات المجتزأة من السياقات العامة، مثل «من يملك المال يملك السلطة» قلب معادلة أخرى، فهم سرقوا مال العراقيين ليتسلطوا على العراق، بلد الإنقلابات العسكرية الهوجاء.

معادلة ثالثة إنقلبت، هي «إذا إبتليتم فإستتروا» غسيل الأموال هنا لا يتم في الأقبية فقط، بل علناً:

في شركات واجهة “قانونية”.

في مشاريع استثمارية بلا إنتاج.

في مزادات عملة تُفرِّغ الخزينة باسم الاستقرار.

في عقود حكومية تُوقَّع بحبر نظيف وأيدٍ ملوّثة.

عملاً بما أسس له صدام حسين، إبان حكمه «اليشرب لبن يمسح شواربه، بس اليجيبوه مقبوضاً عليه بشبهة فساد ما أرحمه» طورها الجماعة بعد 2003 الى مكافأة الفاسد بالنجاة، ومعاقَبة النزيه بالعزلة، في أهون تنكيل ممكن، إن لم يلفقوا له تهمة تلقيه في طوامير اللا أثر منسياً، أو يقتلونه!.

غسيل الاموال

الدولة كغسالة كبرى.. فأخطر ما عليه غسيل الأموال في العراق أنه لم يعد خارج الدولة، بل تحت غطاء دستوري... حيث تحولت مؤسسات الدولة والدين والمجتمع إلى أدوات تبييض أفقدت:

الدولة هيبتها.

القانون معناه.

والمواطن حقوقه

والدين قدسيته

لذلك الآن المواطن ضحية في العراق، تلك الدولة العاجزة عن تتبع المال، وضمان وصوله من مصادره الى خزائن الإقتصاد الوطني، إنما ما يحدث هو تسرب واردات الدولة، من منابعها الى أرصدة شخصية وفئوية وخارجية و... إرهابية، بالنتيجة الحكومة ستعجز حتمًا عن حماية الإنسان العراقي، بل أصلاً لا تعنيها حمايته... والفقراء هم وحدهم يدفعون ثمن حماية جرائم الفاسدين؛ بدليل الحكومة الآن تبحث عن حلول لتخطي العجز المالي، من ضلع الموظف والمتقاعد والمواطن الفقير...

عوداً الى غسيل الأموال، أجده لا يسرق الخزينة فقط، بل:

يرفع الأسعار.

يقتل المنافسة الشريفة.

يدمّر الطبقة الوسطى.

ويُنتج فقرًا مُقنّعًا خلف واجهات الرفاه الكاذب.

الفقراء لا يرون “غسيل الأموال” لكنهم يعيشون نتائجه كل يوم في :

مدرسة متهالكة.

مستشفى بلا دواء.

شارع بلا أمان.

ما يضعنا بمواجهة السؤال: لماذا يفشل الردع؟ ويبلور الجواب؛ لأن الردع في العراق غالبًا:

انتقائي.

مسيّس.

موسمي.

يُلاحَق الضعيف، ويُحصَّن القوي.

وهنا تصبح مكافحة غسيل الأموال شعارًا بلا روح، ما لم تُفكّك البنية التي تحميه.

الخاتمة: المال القذر لا يبني وطنًا، وغسيل الأموال ليس أزمة مصرفية، بل أزمة معنى، ومعركة بين:

دولة تُريد أن تكون،

وشبكات تُريد أن تملك.

ولا يمكن للعراق أن ينهض، ما دام المال يُغسَل أسرع من الحقيقة، وما دام الفساد أذكى من العدالة؛ لهذا بناء دولة لا يبدأ من غسل الأموال، بل بغسل السياسة من المال القذر، وإعادة الإعتبار لقيمة العمل، وقدسية القانون، وكرامة الإنسان.

 


مشاهدات 52
الكاتب مروة الخفاجي
أضيف 2026/01/10 - 12:05 AM
آخر تحديث 2026/01/10 - 10:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 366 الشهر 6942 الكلي 13114365
الوقت الآن
السبت 2026/1/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير