الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رجل المرحلة في العراق..  إغراء الخلاص الفردي ومأزق الدولة الديمقراطية

بواسطة azzaman

رجل المرحلة في العراق..  إغراء الخلاص الفردي ومأزق الدولة الديمقراطية

محمد علي الحيدري

 

في الشأن العراقي، لا يظهر مصطلح “رجل المرحلة” بوصفه توصيفا عابرا، بل كاستجابة نفسية وسياسية متكررة لأزمات متراكمة: انسداد العملية السياسية، ضعف الثقة بالمؤسسات، الخوف من الفوضى، وتعب الجمهور من الانتظار. كلما تعثرت الدولة، عاد هذا المصطلح إلى التداول، محمّلا بوعد مختصر ومغوٍ: شخص واحد قادر على ما عجز عنه النظام بأكمله.نشأ المصطلح في العراق الحديث في بيئة انتقالية لم تكتمل فيها الدولة، ولم تترسخ فيها الديمقراطية كممارسة يومية، بل ظلت إطارا شكليا يتنازعه منطق المحاصصة، وتغوّل السلاح، وتدخل الخارج، وفساد النخب. في هذا السياق، جرى تقديم “رجل المرحلة” كحل فوقي لأزمة بنيوية، وكبديل عن إصلاح طويل ومؤلم لا تطيقه القوى السياسية ولا يصبر عليه الشارع.غير أن هذا المصطلح، حين يُسقط على التجربة العراقية، يكشف تناقضا عميقا مع فكرة الحكم الديمقراطي. فالديمقراطية، حتى في صيغها الهشة، تقوم على توزيع السلطة، والرقابة المتبادلة، وتداول المسؤولية. أما “رجل المرحلة”، فيُستدعى غالبا لتبرير تركيز السلطة، وتعليق الأعراف، وتجاوز الدستور بذريعة الضرورة. وهنا لا تعود المشكلة في الشخص، بل في الفكرة نفسها: فكرة اختزال الدولة في فرد، والمرحلة في إرادته.في الخطاب العراقي، تُنسب إلى “رجل المرحلة” صفات تبدو مطلوبة في بلد مثقل بالأزمات: الحزم، الجرأة، القدرة على كسر الجمود، وعدم الاكتراث بالتوازنات المعقدة. لكن هذه الصفات، حين تُفصل عن الضوابط المؤسسية، تتحول من عناصر قوة إلى بذور استبداد. فالحزم بلا مساءلة يتحول إلى قمع، والجرأة بلا قانون تصبح مغامرة، وكسر الجمود بلا توافق يفتح الباب لصدامات أعمق.الأخطر من ذلك أن المصطلح يُستخدم أحيانا كأداة لإعادة إنتاج الفشل، لا لتجاوزه. فبدلا من مساءلة الطبقة السياسية عن إخفاقاتها، يُلقى العبء على “المرحلة”، ويُبحث عن رجل جديد يحملها، فيما تبقى البنية نفسها على حالها. وهكذا، يُعاد تدوير الأزمة تحت عنوان مختلف، ويُمنح النظام مهلة إضافية من دون إصلاح حقيقي.إذا كان لا بد من الحديث عن قيادة قادرة على إدارة مرحلة حساسة في العراق، فإن المؤهل الحقيقي لا يكون في الكاريزما ولا في الخطاب الصارم، بل في القدرة على العمل داخل الدولة لا فوقها. القائد المؤهل هو من يدرك أن المرحلة مؤقتة، وأن مهمته ليست الحكم المطلق، بل فتح المسار. من يلتزم بسقف زمني واضح، ويقوّي القضاء، ويحمي التعددية، ويعيد الاعتبار للقانون، لا من يراكم السلطات بحجة الإنقاذ.

إن العراق، بتعقيده الاجتماعي والسياسي، لا يحتمل رهانات الفرد الواحد، ولا يتحمل كلفة المغامرات الشخصية مهما حسنت نواياها. ما يحتاجه ليس “رجل المرحلة” بالمعنى الشائع، بل انتقالا واعيا من منطق الأشخاص إلى منطق الدولة، ومن ثقافة المنقذ إلى ثقافة العقد الاجتماعي.

في النهاية، قد ينجح رجل في إدارة أزمة، لكنه لن يبني دولة. الدولة تُبنى حين تصبح القواعد أقوى من الرجال، وحين لا تعود المراحل ذريعة لتعليق الديمقراطية، بل امتحانا لقدرتها على الصمود.


مشاهدات 149
الكاتب محمد علي الحيدري
أضيف 2026/02/22 - 2:45 PM
آخر تحديث 2026/02/23 - 2:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 99 الشهر 17743 الكلي 14949386
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير