الإدارة الناجحة أساس بناء الدولة الرشيدة
سعد البخاتي
لم تعد القيادة في الدولة الحديثة امتيازاً سياسياً، بل مسؤولية دستورية وأخلاقية تُقاس بقدرتها على تحقيق الصالح العام وإدارة الموارد بكفاءة وعدالة. فالدول لا تتقدم بوفرة مواردها، بل بكفاءة قياداتها ونُظم إدارتها.
وعليه، فإن القيادة الرشيدة هي التي تصنع الرؤية، بينما تتولى الإدارة الناجحة تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ ضمن إطار سيادة القانون.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن التحول المؤسسي يبدأ بقرار قيادي واعٍ؛ فنهضة سنغافورة ارتبطت برؤية لي كوان يو الذي أسس نموذجاً للحكم القائم على الكفاءة والانضباط.
كما جسدت تجربة محمد بن راشد آل مكتوم مثالاً للقيادة التي تبنّت الابتكار الحكومي والتحول الرقمي لتسريع الخدمات وتعزيز ثقة المجتمع بالدولة.
وفي المقابل، فإن الإدارة الناجحة تمثل العمود الفقري لاستدامة الإنجاز، إذ تقوم على التخطيط العلمي والرقابة الفعالة والمساءلة القانونية.
ويبرز نموذج شركة تويوتا في الإدارة القائمة على الجودة المستمرة، وكذلك تجربة أبل في إدارة الابتكار، بوصفهما دليلين على أن الإدارة المنضبطة قادرة على تحويل الأفكار إلى إنجازات عالمية.
وفي السياق العراقي، فإن بناء دولة المؤسسات يقتضي تجاوز الإدارة التقليدية إلى نموذج قيادي مؤسسي يعتمد الكفاءة والنزاهة والتخطيط الاستراتيجي، ويُخضع الوظيفة العامة لمعايير الجدارة لا الاعتبارات الضيقة.
فحيث تتكامل القيادة الواعية مع الإدارة الكفوءة، تتعزز هيبة الدولة وتتحقق التنمية؛ أما غيابهما فيفضي إلى ترهل مؤسسي وفقدان الثقة العامة.
إن القيادة والإدارة الناجحة ليستا خياراً إدارياً، بل شرطاً لقيام الدولة الرشيدة، وضمانةً لتحويل السلطة إلى خدمة عامة تحقق تطلعات الشعب.