الوهميون ثقوب سود في جسد الدولة
علي الدليمي
منذ التحول السياسي الكبير في عام 2003، طفت على سطح المشهد العراقي مفردات غريبة في وقعها، لكنها أصبحت «أصيلة» في ممارساتها. لعل أكثر هذه المفردات قسوة وخطورة هي مفردة «الوهميون»؛ ذلك المصطلح الذي لم يعد مجرد وصف لحالة عابرة، بل تحول إلى ظاهرة متجذرة تقتات على مقدرات البلاد برعاية رسمية، وصمت قانوني مريب.
يومياً، تضج وسائل الإعلام ببيانات رسمية وتقارير استقصائية تكشف عن أرقام مهولة: «آلاف المستفيدين الوهميين من شبكة الرعاية الاجتماعية»، «أسماء وهمية في البطاقة التموينية»، وصولاً إلى «تغلغل الأشباح» في الأجهزة الإدارية والأمنية المختلفة.الغريب في الأمر، أن هذه الإعلانات تمر مرور الكرام، فالعرف السائد بات يكتفي بـ «الرصد» دون «الردع». إن ترسيخ ظاهرة الوهميين لم يكن ليحدث لولا وجود بيئة توفر الحماية لهؤلاء، حيث تغيب الإجراءات القانونية الحاسمة والحازمة، مما جعل من «الوهم» استثماراً آمناً يدر الملايين على حساب المصلحة العامة.تتجلى بشاعة هذه الظاهرة في «جغرافيا التواجد»؛ فهؤلاء الوهميون لا يظهرون إلا حيث توجد لقمة عيش الفقراء. يزاحمون الأرامل والأيتام والمعوزين في حقوقهم البسيطة، رغم الفوارق الطبقية الهائلة.إننا نتحدث هنا عن فئة تمتلك: رؤوس أموال وملايين الدولارات. عقارات في أرقى الأحياء السكنية. مناصب إدارية رفيعة ونفوذ واسع.
ومع كل هذا الترف، يصر هؤلاء «الأشباح» على مشاركة الفقير في مخصصاته الزهيدة، في صورة تعكس جشعاً منقطع النظير وانعداماً تاماً للمسؤولية الأخلاقية والوطنية.السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بمرارة: إلى أين يراد دفع هذه الطبقات المسحوقة؟ إن سرقة حقوق الفقراء عبر «توسيع رقعة الوهم» ليست مجرد فساد مالي، بل هي دفع ممنهج للمجتمع نحو «هاوية الجحيم»؛ حيث الانفجار الاجتماعي وفقدان الثقة التام بالدولة ومؤسساتها.إن استمرار بقاء «الوهميين» هو طعنة في خاصرة العدالة الاجتماعية، ومؤشر خطر على أن الدولة ما زالت عاجزة عن حماية «لقمة العيش» من أفواه الأشباح الذين يملكون كل شيء، ولا يتركون للفقير أي شيء.