البرلمان بين الطموح الديمقراطي والإنقسام السياسي
محمد حسن الساعدي
يمثل مجلس النواب العراقي الركيزة الأساسية للنظام السياسي بعد عام 2003، إذ نصّ الدستور الدائم لعام 2005 على أن البرلمان هو السلطة التشريعية العليا المسؤولة عن سنّ القوانين ومراقبة أداء الحكومة،غير أن دوره لم يقتصر على الجانب القانوني، بل أصبح ساحةً رئيسية للتفاعلات السياسية بين القوى المتنافسة.
ما يجعله محورًا لفهم طبيعة النظام السياسي العراقي القائم على التوازنات الطائفية والإثنية.
أن من اهم الادوار الدستورية التي يمارسها البرلمان هي التشريع بمعنى إصدار القوانين المنظمة للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والامر الآخر الذي يضطلع به المجلس هو الرقابة من متابعة عمل الحكومات المتعاقبة من الوزراء ورئيس الحكومة ومسآلتهم وأستجوابهم وسحب الثقة عند الحاجة، ويكسب قوته من الشرعية الشعبية.
إذ أن النواب المنتخبون يمثلون مختلف المحافظات والمكونات، ما يمنح البرلمان صفة التمثيل الشعبي، بالاضافة الى عملهم في اختيار القيادات كانتخاب رئيس الجمهورية والمصادقة على الحكومة. رغم وضوح النصوص الدستورية، فإن البرلمان العراقي غالبًا ما يتحول إلى ساحة للتجاذبات بين الكتل الســـــــــياسية، فالمحاصصة الطائفية والإثنية وتوزيع المناصب القيادية وفق الانتماءات الطائفية والإثنية يعكس التوازن لكنه يكرّس الانقسام،ولايمتلك الارادة في إدارة الأزمات فالبرلمان كثيرًا ما يشهد تعطيلًا للتشريع بسبب الخلافات بين القوى الكبرى، ويعمل على إعادة إنتاج الشرعيةعبر جلساته الأولى وأداء النواب اليمين الدستورية،ويساهم البرلمان في تثبيت الشرعية السياسية رغم الأزمات.
ضغوط حزبية
أن من اهم التحديات التي تواجه عمل البرلمان العراقي هي ضعف الرقابة الفعلية نتيجة التحالفات السياسية والضغوط الحزبية، والانقسامات الداخلية التي تؤدي إلى شلل مؤسسي وتعطيل القرارات، وغياب الإصلاح الجذري في مواجهة الفساد أو تطوير النظام السياسي.
في مشهد سياسي مأزوم، جاء انتخاب هيبـــــــــــــــت الحلبوسي رئيسًا لمجلس النواب العراقي ليضيف طبـــــــــــقة جديدة من التعقيد إلى المشهد البرلماني.
فبينما روّج أنصاره لهذا الاختيار باعتباره خطوة نحو الاستقرار، يرى كثيرون أن النتيجة الحقيقية هي تكريس الانقسام وتعميق أزمة الثقة بين الشعب ومؤسساته.
لم يكن انتخاب الحلبوسي مجرد إجراء ديمقراطي، بل كان انعكاسًا لميزان قوى غير متكافئ. الأغلبية التي أوصلته إلى المنصب لم تكن نتاج توافق وطني شامل، بل ثمرة تفاهمات حزبية مغلقة، ما جعل المعارضة البرلمانية في موقع أضعف، وأفقد المؤسسة التشريعية قدرتها على ممارسة دورها الرقابي بفاعلية.
الحلبوسي يُعرف بقدرته على إدارة ملفات النفط والطاقة عبر صفقات وتوافقات، لكن هذه القدرة تحولت إلى مصدر قلق،فبدلًا من أن تكون رئاسة البرلمان منصة للإصلاح المؤسسي، يخشى أن تتحول إلى ساحة لتثبيت المحاصصة وتبادل المنافع بين القوى الكبرى، على حساب المصلحة الوطنية.
ملف العلاقة بين بغداد وأربيل يظل أحد أكثر الملفات حساسية. انتخاب شخصية مرتبطة بالتوافقات الاقتصادية قد يعني استمرار التركيز على العقود النفطية والصـــــــــــــفقات المالية، دون معالجة القضايا السياسية الجوهرية مثل تقاسم السلطة والحقوق الدستورية.
لعبة سياسية
الأخطر أن هذا الانتخاب يعيد إنتاج صورة البرلمان كأداة بيد النخب السياسية، بعيدًا عن إرادة الناخبين الذين يطالبون بإصلاح حقيقي.
فحين يُحسم منصب بهذه الأهمية في الجولة الأولى وبأغلبية ساحقة، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع هي أن اللعبة السياسية مغلقة، وأن صوت المواطن لا وزن له في معادلة السلطة.
انتخاب هيبت الحلبوسي ليس مجرد حدث بروتوكولي، بل هو مؤشر على أن العراق يسير في طريق محفوف بالمخاطر، وهو طريق يكـــــــــــــرّس المحاصصة، ويضعف المعارضة، ويزيد من فجوة الثقة بين الشعب ومؤسساته، إذ إن البرلمان الذي يُفترض أن يـــــــــــــكون بيت الشعب، يبدو اليوم أقرب إلى بيت الصفقات، وهو ما ينذر بمزيد من الأزمات بدلًا من حلولها.
يبقى البرلمان العراقي مؤسسة محورية في المشهد السياسي، فهو من جهة يجسد الطموح الديمقراطي عبر النصوص الدستورية، ومن جهة أخرى يعكس الانقــــــــــــــسامات الطائفية والحزبية التي تعرقل عمله، وبين الدور المثالي المنصوص علـــــــــــــــيه في الدستور والواقع العملي المليء بالأزمات، يظل البرلمان ساحةً لتحـــــــــــــــــــــديد مستقبل العراق السياسي، سواء عبر تعزيز التوافقات أو تكريس الأزمات.