المظَلَّة
مازن الحمداني
يقفُ رجلٌ تحتَ مظلَّةٍ من حديدٍ، والجوُّ عاصفٌ، والمطرُ ينهالُ كأنهُ امتحانٌ أخيرٌ، والرعدُ يقصفُ السَّماءَ كمدافعَ غاضبةٍ، يَصُمُّ الأُذُنَيْنِ، وتتساقطُ شراراتُ الأسلاكِ الكهربائيَّةِ فوقَ رأسِه، كإنذاراتٍ متلاحقةٍ بالموتِ.
في أيةِ لحظةٍ قد يسقطُ السلكُ عاليَ الضغطِ على المظلَّةِ، وفي أيةِ لحظةٍ قد ينتهي كلُّ شيءٍ.
يتردَّدُ… البقاءُ خطرٌ، والرحيلُ تحتَ المطرِ أخطرُ.
فالمطرُ لا يبتلُّ جلدهُ فقط، بل يفتحُ أخاديدَ الذاكرةِ.
كانَ طفلًا مريضًا، يدُ أمِّه الصغيرةُ تمسكُ يدَهُ، والسماءُ يومها تمطرُ رذاذًا خفيفًا، كأنها تطمئنُهما في طريقِ الذهابِ.
لكنَّ العودةَ كانت غزيرةً…
ثقيلةً…
كأن السماءَ قرَّرت أن تقولَ شيئًا آخرَ.
عندَ الشارعِ، توقَّفتِ الأمُّ لحظةً، والقدرُ كان أسرعَ.
سيَّارةٌ يقودُها شابٌّ مخمورٌ، اندفعتْ بجنونٍ، لم تُمهلِ الوقتَ لصرخةٍ، ولا للجسدِ أن يفكِّرَ.
دفعتْهُ أمُّهُ بقوَّةٍ نحو الرصيفِ، سقطَ على وجهِه، بينما طارَ جسدُها في الهواءِ، ارتطمَ بسقفِ السيَّارةِ،
ثم جلَدَتِ الأرضَ بجسدٍ ناعمٍ لم يعرفْ القسوةَ يومًا.
أرادَ أن ينهضَ…
أن يصرخَ…
أن يعودَ إليها…
لكنَّ الظلامَ سبقهُ.
استيقظَ في المستشفى، وكانت قد فارقتِ الحياةَ في الطريقِ.
منذُ ذلكَ اليومِ، صارَ المطرُ ذاكرةً، وصارَ الخوفُ صوتًا داخليًّا لا يهدأُ.
الآنَ، تحتَ المظلَّةِ الحديديَّةِ، لا يشعرُ إلَّا بيدٍ خفيَّةٍ تدفعُهُ…
نفسُ اليدِ، نفسُ الطمأنينةِ القديمةِ.
لا يفكِّرُ، لا يتردَّدُ.
يخطو…يعبرُ الشارعَ، كأن الخوفَ لم يكنْ.
وفي اللحظةِ التي يبتعدُ فيها، يسقطُ سلكُ الضغطِ العالي على المظلَّةِ، فينفجرُ المكانُ بشرارٍ وصوتٍ، كأن الموتَ وصلَ متأخرًا، خطوةً واحدةً فقط.