المزارع الإلكترونية في العراق
الفراغ التشريعي في مواجهة الجريمة الرقمية المنظّمة
محمد عبد الرضا حطاب
لم تعد المزارع الإلكترونية أو ما يُطلق عليها أحياناً الجيوش الاليكترونية مجرد مجموعة عشوائية من الحسابات الوهمية بل تحولت إلى نموذج معقد لـلجريمة الرقمية المنظمة مستغلة الفضاء الإلكتروني كأداة رئيسية ومُموّلة للعبث بوعي المواطنين وتقويض الاستقرار المجتمعي.
إن الخطر من هذا الاستغلال يتجاوز حدود الإضرار الفردي (كجريمة تشهير بسيطة) ليمسّ الأمن العام والنظام الاقتصادي. وان هذا الخطر في مستوى التهديد يستوجب معاملته قضائياً كجريمة منظمة حديثة خطيرة يكمن خطرها في مواجهة النظام القانوني للتحدي الحاسم (حول موضوع تجريمها) وسد الفراغ التشريعي والتحول من ملاحقة الأدوات المنفذة إلى استهداف شبكات التمويل والقيادة التي تدير هذه الجيوش الخفية.
ولإنهاء مأزق التكييف القانوني يجب أن يتأسس أي تشريع مستقبلي على تعريف دقيق وواضح يُجرم المزرعة الإلكترونية كتنظيم إجرامي قائم بذاته وليس كجرائم فرديةومع كل هذا الغموض في تعريف الجريمة فانه بالإمكان الوصول الى وصف مستوحى من الفقه القانوني والقضائي وهو ان المزرعة الإلكترونية شبكة أو مجموعة من الحسابات أو الأنظمة المعلوماتية (سواء كانت حقيقية أو وهمية) تُدار بصورة منظّمة ومنسّقة ومموله وغالباً ما يتم تمويلها عبر شبكات المعلومات أو الإنترنت أما الغاية الإجرامية منها فتتمثل في نشر محتوى أو تفاعل موجّه (مثل التضليل، التشهير، أو الترويج) بطريقة غير شفافة أو خادعة بما يُحدث ضرراً مباشراً يطال الأمن العام أو النظام الاقتصادي أو الخصوصية والسمعة
تنبع القيمة القانونية لهذا التعريف من تركيزه على عنصري لتنظيم المموَّل والنشاط المبرمج والذي يتيح ملاحقة الجريمة كـالجريمة منظمة مما يسمح بكييف الوصف القانوني للجريمة من مجرد جنحة (قذف او سب او افشاء سر) إلى جناية المساس بأمن الدولة الداخلي ولوضع التكييف القانوني الدقيق للمزرعة الإلكترونية كجريمة منظمة يجب تحليل أركانها بعيداً عن مفاهيم الجرائم الفردية البسيطة.
حيث يتكون الركن المادي لهذه الجريمة من عنصرين أساسيين:
الأول عنصر التعدد: ويقصد به وجود شبكة أو مجموعة من الحسابات أو الأنظمة المعلوماتية
والثاني عنصر التنظيم: وهو العنصر الجوهري الذي يفصلها عن الجريمة الفردية ويعني الإدارة المنسقة والمركزية لهذه الشبكة وقد يتحقق هذا التنظيم عبر فرق بشرية أو بالاعتماد على برامج آلية تعرف بـ «الروبوتات الإلكترونية البوتات (وهي حسابات او برامج اليه تشتغل على شبكة الانترنيت وتقوم بمهام بدل البشر).
إن النشاط الجماعي والمنسق لهذه المزارع هو ما يحقق العلانية والانتشار بشكل واسع وسريع وفوري مما يؤكد الطبيعة المنظمة لهذه الجريمة.
ويتحقق الركن المعنوي القصد الجنائي الخاص من خلال وجود النية المبيتة والمقترنة بالتمويل المبرمج والهادفة إلى التضليل والتأثير على الرأي العام أو الإضرار بالكيانات الكبرى كالأمن أو الاقتصاد
وتكمن صعوبة اثبات الجريمة في أن الآلة (الروبوتات) لا تمتلك قصداً جنائياً لذا يجب أن يتجه الإثبات نحو إثبات القصد لدى المُبرمِج أو المُنظِّم (الجهة الآمرة) الذي قام بالدفع والتحريض واعتبار الحساب الوهمي أو الروبوت مجرد أداة تنفيذية خاضعة لإرادة الفاعل الأصلي والمُموِّل
وفي ظل غياب نص تشريعي متخصص يحدد أركان الجريمة الرقمية المنظمة يضطر القضاء العراقي إلى تطبيق النصوص العقابية العامة الواردة في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969.1 ويمثل هذا اللجوء إلى النص العام ضرورة قضائية حتمية للحد من إفلات الجناة من العقاب
ورغم أن قانون العقوبات يُطبّق على بعض الجرائم الإلكترونية الا انه يفتقر للتخصيص اللازم لمواجهة التعقيد الجديد للجريمة الاليكترونية ويمكن للقاضي أن يستند إلى مواد المساهمة والاشتراك (47و48و49) من قانون العقوبات في الجريمة لتكييف فعل المدير أو المنظّم كـفاعل أصلي في ارتكاب الجريمة من خلال المساهمة والتمويل
الان ان هناك إشكالية قد تنشأ من الاعتماد على قانون العقوبات لتحديد الوصف القانوني ويشكل عبئاً قضائياً كبيراً في التطبيق العملي ويقلل من فعالية الملاحقة القضائية وتظهر الإشكاليات الرئيسية في النقاط التالية:
اولا إشكالية التفكيك القانوني
يُجبر القاضي على تفكيك الجريمة المركبة (المزرعة الإلكترونية) إلى مجموعة من الجرائم البسيطة المنفصلة (تعدد معنوي)، مثل القذف أو السب أو النشر الكاذب، مما يتطلب إثبات أركان كل جريمة على حدة، بدلاً من إثبات ركن التنظيم الشامل للجريمة ككيان واحد هذه العملية تستهلك وقتاً طويلاً في مراحل التحقيق والتقاضي مما يقلل من فرص الإدانة في الجرائم المعقدة وسهوله افلات الجناه او تخفيف العقوبة الصادرة بحقهم رغم خطورة الجريمة
ثانيا مشكلة الاثبات وضعف الأدوات الإجرائية
التحدي الأكبر يتمثل في إثبات أن مجموعة الحسابات الوهمية تُدار بشكل مركزي ومنسق لخدمة هدف إجرامي واحد وتزداد هذه الصعوبة بسبب لجوء الجناة لتقنيات إخفاء الهوية المعقدة، مثل الشبكات الافتراضية الخاصة الفي بي ان اوالحسابات المسروقة أو الاعتماد على الروبوتات المتقدمة
إن القانون التقليدي والقواعد الإجرائية المتبعة لا تمنح القضاء أدوات تقنية فعالة ومنظمة (كقواعد خاصة لجمع الأدلة الرقمية) لتتبع النشاط الآلي أو الممول وأن المشكلة الأساسية هي عدم مواكبة المشرّع للتطور التقني، مما يضطر القاضي إلى تكييف الأفعال المعقدة على ضوء النصوص التقليدية، ويخلق فراغاً تشريعياً قابلاً للاستغلال.
ويُمثل مشروع قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية الخريطة التشريعية المنتظرة لسد هذا الفراغ ورغم أن المشروع لم يستخدم مصطلح «المزرعة الإلكترونية» صراحةً، إلا أنه تطرّق إلى الأفعال الأساسية التي تُشكّل جوهر نشاطها، مثل إنشاء أو استخدام شبكات معلوماتية بقصد بث أو نشر أخبار كاذبة أو معلومات مضللة من شأنها الإضرار بالأمن القومي أو الاقتصادي كما يعاقب على الأفعال التي تستهدف الاعتداء على المبادئ والقيم الدينية أو الأسرية والاجتماعية
مع الإشارة الى وجود
دعوات من جهات عراقية (مثل الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين) إلى إصدار تشريعات صارمة تُجرّم تشغيل هذه المزارع وتعتبرها جريمة سيبرانية مهدِّدة للأمن الوطني، مع التأكيد على ضرورة التعاون مع المنظمات الدولية المختصة بالجرائم الرقمية.
غير أن النجاح الحقيقي في مكافحة هذه الجريمة لا يقتصر على التشريع القانوني فقط بل يتطلب تطوير البنية التحتية القضائية:
1-إنشاء محاكم متخصصة وقضاة تحقيق ومحققين مُدربين بعمق في مجال الجرائم الإلكترونية يمتلكون فهماً متقدماً لطبيعة الأدلة الرقمية وكيفية إسناد الجريمة للجهة الآمرة
2-إنشاء مكاتب متخصصة للتحليل الجنائي الرقمي تابعة للمحاكم المختصة تستطيع تتبع التمويل وإثبات الترابط الشبكي وتقديم الأدلة الرقمية بصيغة تقنية مقبولة أمام المحاكم.1
3-تفعيل آليات المساعدة القضائية المتبادلة لاسترداد البيانات وتعقب النشاط المموّل عبر الحدود نظراً للطبيعة العابرة للدول لهذه الجرائم المنظمة
ومن الجدير بالذكر انه هناك تقارير صادرة عن منظمات دولية رقابية تشير الى وجود نشاط للمزارع الاليكترونية في العراق (الجيوش الاليكترونية ) استخدمت بالفعل لأغراض مسيئة وبشكل ممنهج ومنظم
وتشير هذه التقارير الى ظهور اول موجة كبيرة من الصفحات الممولة والحسابات شبة الالية خصوصا على برنامج فيسبوك كانت سنة 2018 للترويج لمرشحين واسقاط اخرين وثاني ظهور لاستخدام الجيوش الاليكترونية كان ضمن احتجاجات تشرين لسنة 2019 حيث تضاعف استخدام الجيوش الاليكترونية من عدة اطراف لبث منشورات لخلق انقسام بين صفوف المواطنين عبر نشر اخبار كاذبة عن خطف واعتداءات او ممولين للمتظاهرين وفي سنة 2020 تم استخدام موجة أخرى من الهجمات الاليكترونية من خلال نشر صور لاشخاص تم وصفهم بالعملاء من خلال استخدام صور قديمة من دول أخرى لايهام المواطنين بوجود عمليات او احداث داخل العراق وكانت الانتخابات البرلمانية لسنة 2021 هي اكبر دورة يستخدم فيها التمويل الرقمي المجهول من خلال حملات التضليل والتي كانت تستهدف سمعة المرشحين من خلال تسريب صور وفيديوهات مفبركة معدلة وتبين وجود نشاط اليكتروني منظم وتنسيق واضح بين عشرات الحسابات التي تهاجم المرشح خلال ساعة واحدة وتختفي فجأة والهجمة الاليكترونية الأخرى كانت سنة 2022 من خلال الترويج والتمويل لاطروحات حل البرلمان والحكومة عبر حسابات غير حقيقية وتم اكتشافها من خلال مراقبة الحسابات الاليكترونية وتوقيتات ظهورها والنشر والذي اظهر انها متطابقة في الوقت والمضمون (التنسيق بين الحسابات الاليكترونية ) وفي سنة 2023 و2024 و2025 ظهر وجود تزايد كبير في استخدام المزارع الاليكترونية الممولة وتزايد نشاطها المسئ من خلال نشر فيدويات مفبركة وكذلك منشورات تتعلق بالفساد غير حقيقة والهدف هو زعزعة الرأي العام وخلق الببلة والفرقة بين مكونات الشعب العراقي
وأخيرا فأن المزرعة الإلكترونية(الجيوش الاليكترونية) لم تعد مجرد ظاهرة تقنية بل هي جريمة رقمية منظمة تستغل الفضاء الإلكتروني للعبث بوعي الناس وتقويض الاستقرار المجتمعي ومع تسارع التحول الرقمي في العراق يقع التحدي الأبرز أمام السلطات التشريعية والقضائية في سدّ الفراغ القانوني وتطوير آليات عمل المحققين والقضاة لضمان العدالة ومحاسبة من يدير هذه الجيوش الرقمية ويجب أن تتجاوز التشريعات العراقية المنتظرة فكرة النصوص التقليدية لتقدم إطاراً شاملاً يحدد الجريمة المنظمة رقمياً ويمنح القضاء الأدوات التقنية الكافية لإثباتها وملاحقة مموليها.
القاضي
محمد عبد الرضا حطاب