الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
رحلة إلى الجحيم.. الجانب الخفي من حياتي

بواسطة azzaman

مترجمة من اللغة السويدية

رحلة إلى الجحيم.. الجانب الخفي من حياتي

عباس النوري العراقي

 

هناك جانب خفي من حياتي. لا أحد يستطيع أن يتخيّل مثل هذه المواقف في هذا العصر. يعرف الناس شيئًا عن أكل لحوم البشر، لكن أن تعيشه، وتشارك فيه، فذلك أمر يصعب فهمه أو استيعابه. لا أحد يستطيع أن يبرّر أفعالًا وحشية ضد أبناء جنسه. لقد سمع الناس عن التعذيب والسجون والقتل، لكن لم يسمعوا قط عن محبة هذه الأفعال.

إن كان يصعب عليك أن تتخيّل الوحشية والقسوة، وأن تتصوّر البشر وهم يُؤكَلون، فإنني أنصحك ألا تقرأ هذه الجوانب المخفية.

ربما تتساءل كيف أجرؤ على الاعتراف بمشاركتي في أكل لحوم البشر، دون أن أنال العقاب الكافي.

ربما أسوأ الجرائم التي نعرفها اليوم يُعاقب عليها بالسجن المؤبّد أو العلاج النفسي القسري.

لقد أصبح الاعتراض على عقوبة الإعدام بمثابة “موضة”، ومن الذي يملك أصلًا الحق في أن يسلب حياة إنسان لم يخلق هو الحياة؟

لا أريد الدخول في هذا النقاش حول صواب عقوبة الإعدام أو خطئها. لكن امتصاص دماء البشر مسألة مختلفة تمامًا… مسألة كنتُ جزءًا من خلقها، وشاركت فيها. أعرف كيف تكون رائحة دم الإنسان. سمعتُ صرخات النساء اليائسات وهنّ يطلبن المساعدة. سمعتُ كيف كنا نحفر أحشاء امرأة بالمثقاب — المثقاب الذي اخترعه أحد أبناء ذلك المكان.

قراءة الصفحات

تلك الفتحة الإنسانية التي تبدأ منها كل حياة على الأرض، دنّسناها نحن بالمثقاب. هل تستطيع أن تتخيّل هذا المشهد؟

حسنًا… استمر بالقراءة، لكن لا تنسَ أمرًا: ما العقاب الذي أستحقه؟

أتمنى ألا تحكم عليّ مسبقًا. وإن اخترتَ قراءة هذه الصفحات، فاقرأها حتى النهاية، ثم عد إلى الفصل الذي أتحدّث فيه عن الحيوانات، وتفحّصه جيدًا — ستجد الحلّ للغز. لكني أحذّرك من النتائج: قد تعذرني… أو تدينني أكثر مما أستحق.

ما أرجوه ألا تحكم عليّ بلطف مفرط، لأنك إن فعلت ذلك ستصبح شريكًا معي في الجريمة.

العقاب، أو الثمن الباهظ الذي دفعته، كان قبرًا — وربما ما زلت أدفعه إلى الآن، أو سأظل أدفعه في المستقبل. أفكّر أن أخصّص فصلًا كاملًا عن “الدَّين المدفوع”.

وكعينة صغيرة، دعني أسألك:

هل إذا حُرم الإنسان من عائلته، ومن رؤية أطفاله عشرين سنة كاملة — هل يكون هذا عقابًا كافيًا؟

وليس ذلك فقط، بل صودر منه كل ما كافح والده لأجله، وكل ما تركه الأب خلفه.

أو أن يضيع طفولته وشبابه بالكامل — هل هو عقاب كاف؟

أن يتعرّض الإنسان للتعذيب النفسي والجسدي معًا؟

ألا يملك حتى صور طفولته، ولا صور أصدقائه وأقاربه؟

هل هذا يكفي؟

أن يجهل كيف يتعامل مع النساء لأنه لم يحصل على فرصة لتعلّم ذلك — فقد كان الحديث في هذا الموضوع محرّمًا.

لم يُسمح له باللعب مثل باقي الأطفال، حتى أولئك الأكثر فقرًا وبؤسًا.

لقد حاولوا حتى التحكم بأحلامه وطريقة تفكيره — لكنهم فشلوا.

ربما كنتُ أمثّل دورًا كي أبقى على قيد الحياة في تلك اللحظات القاسية من الزمن.

ماذا تريد أن تعرف أكثر؟

سأحاول أن أنزع عنه كل ما يخفي الجانب السرّي، لترا الحقيقة المجردة بعينيك.

إنها رحلة إلى الجحيم!

رحلة أُجبرت عليها.

رحلة بلا استعداد.

اختطاف إلى جحيم غير محدد… والغريب أنني في الثواني الأولى شعرت أنها ستكون رحلة مثيرة، وكنت فضوليًا عمّا يمكن أن أراه في الجحيم.

قرأتُ في الكتب المقدسة بعض الأوصاف عن الجحيم، جعلتني أخاف وأتساءل إن كان الجحيم كما تخيّلت بالفعل.

الجحيم بالنسبة لي كان أشبه بأسطورة يونانية عظيمة… حين أساء تانتالوس إلى الآلهة، وكان أحد جرائمه أنه قتل ابنه وقدم لحمه للآلهة.

فحُكم عليه بالعذاب الأبدي:

جائع، عطشان إلى الأبد.

الثمر فوق رأسه، لكنه لا يصل إليه لأن الأغصان تبتعد.

والماء تحت قدميه، لكنه ينسحب كلما حاول الشرب.

الذين قرأوا هذه الأسطورة ربما عدّوها رهيبة وقاسية.

أما أنا، ففي الأيام التي أُجبرت عليها إلى جحيـمي، كنت أتمنى لو أكون في مملكة تانتالوس أو حتى مكان سيزيف، أدحرج الصخرة إلى الأبد… بدلًا من جحيـمي الحقيقي.

كنت أسمع شابين يتشاجران، فيغضب أحدهما ويقول للآخر: “اذهب إلى الجحيم!”.

كنت أتساءل: أين يقع الجحيم؟

هل هو في أعماق الأرض؟

في ظلام قاع البحر؟

أم في الثقب الأسود في الفضاء؟

لا أحد يعرف.

بعض الكتب الدينية تصفه بأنه نار ضخمة بلهب يحرق ملايين الدرجات، وأن من يُلقى فيه لا يموت، بل يحترق ويعود، ويحترق ويعود… بحسب ما استحقته أعماله.

كنت أتساءل: مع هذه النار الهائلة، كيف يمكن لأحد أن يقف ويرى هذا كله دون أن تلتهمه النار؟

بعضهم يمزح قائلًا إن أفضل المغنين والممثلين في الجحيم، ومن لم يلتقِ بهم في حياته يتمنى الذهاب إلى الجحيم لرؤيتهم!

ويقولون أيضًا إن من يحب زوجته سيجدها في الجنة… لا والله — إلى الجحيم أفضل من رؤيتها مرة أخرى!

رحلتي لم تكن عبر المجرة ولا عبر الثقب الأسود للوصول إلى الجحيم.

لقد اختُطفت على يد ثلاثة رجال بملابس مدنية، مع اثنين من أصدقائي.

حدث ذلك في نهاية عام 1979، في بلد ذي تاريخ حضاري يعود لآلاف السنين — البلد الذي جاء إليه معظم الأنبياء، ما عدا سليمان وداود، ولا موسى ولا عيسى ولا محمد.

بلد وُجدت فيه أول القوانين مكتوبة على ألواح الطين، وكتبت فيه أول كاتبة في التاريخ قبل 2300 عام قبل الميلاد.

اسمها إنهيدوانّا — كتبت عن الحب والسياسة.

لكن من يجرؤ اليوم، بعد 4500 سنة، أن يتحدث عن الحب والسياسة بصدق؟

من يذكر الحاكم يُعاقب بالقتل بعد أنواع التعذيب والإقامة في السجون الوحشية.

ومن لا يقول شيئًا يُجبر على الكلام بعد تعذيب قاسٍ، ليعترف بكل ما يريده الجلّاد… حتى لو اضطر لاتهام عائلته بأكملها.

لون الصمت

نُقلنا بسيارة صغيرة، وأعيننا معصوبة.

كنت أرى السواد… لون الصمت… وتخيلت نفسي داخل الثقب الأسود.

لم أعرف إلى أين يأخذوننا.

هل هو طريق مستقيم إلى مكان مجهول؟ أم أننا ندور في الشوارع؟

لكنني كنت أعرف شوارع المدينة من روائحها وأصواتها.

كنت أميّز الأماكن حتى معصوب العينين — من ظلمة المكان، ومن ارتداد الصوت بين المباني العالية، أو بالابتعاد عن الأحياء الثرية.

كنت في المراهقة أمشي من الصباح حتى الغروب، أزور معظم المكتبات.

كانت الكتب هي الخلاص الوحيد.

وبعد شراء كتاب، أجلس في أقرب مقهى وأقرأ نصفه قبل العودة إلى البيت، وغالبًا بصوت أم كلثوم يرافقني من مذياع المقهى.


مشاهدات 38
أضيف 2025/11/29 - 2:44 AM
آخر تحديث 2025/11/29 - 4:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 158 الشهر 21004 الكلي 12682507
الوقت الآن
السبت 2025/11/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير