محمد و علي.
شامل بردان
الحلقة الاولى.
كرهت اكثر بيوت قريش و بالتبعية الدعائية كرهت كثير من قبائل العرب محمدا لانه جاء برسالة غيرت و بدلت النظام السائد، من وجهة نظرهم و في الفترة الاولى من بروز محمد فهو مخرب، مهدد لواقع فكري و دور اجتماعي و تقسيمات طبقية.
محمد قال لهم ان لوائح سلوكهم مغلوطة عن عمد عند مجموعات و عن جهل او يأس عند مجموعات، وان هذه ليست فقط بحسب فهمه المبكر، بل هي رسالة و تكليف من الله، ولربما لو ان محمدا صرح بانكاره الشخصي دون التصريح بالتكليف الرسالي، لكن الصراع قد اخذ منحى غير المنحى الذي صار عليه لاحقا، اذ ان للعرب قبل تلك المواجهة مع محمد مواجهات و تنافس و اقتتال اساس وقوعه هو اختلاف الفكر، كما ان في علم كثير من خصوم محمد معلومات عن حوادث تخص سوابق حوادث بين مدعين بالنبوة و بين اقوامهم، اما الجواب عن اليقين بأنهم تذكروها يوم اعلن محمد عن نفسه نبيا، فذلك لا جواب قاطعا عليه، ولذا نقرأ ان الذي ذكّرهم بتلك السوابق المشابهة لهم و لمحمد هو القرآن، لكن اليقين ان اغلب خصوم محمد قد انكروا صدق نبوته ليضربوا ما يقدمه من شرعية لدعوته التي و بسبب تكوين مجتمعه ماكان لتمر دون مواجهات متعددة.
كانت رسالة محمد تحديا قاسيا شرسا لمحمد قبل غيره، فموقع الدعوة مغلق لغالبية انابت عن الله في العلاقة فكر التجسيد و الفهم القبلي للربوبية بما اعتبرته قبائل العرب تحضرا و مواكبة روحية عبر معبودات منحوتات او مجسمات خشب، لم يجدوا في تقديسها ضيرا فضلا عن امكانية تقبلها، وهذه الظاهرة موجودة لليوم في مجتمعات دينية قسم منها سماوي، يميل بتفكيره و تقبله للكشف عن صورة الاله.
في هذه النقطة بالذات كانت رسالة محمد للاقناع صعبة الا على فئة قليلة، اذ ان محمدا رفض مسيرة الخيال المثقف او القبول المُجَهّل لتجسيد الرب او لوجود مساعدين او الهة متعددة متخصصة بأعمال ما، وهو نفس ما حدث مع مجموعات يهودية امنت بموسى و هارون لكنها ما ان نجت من المطاردة المصرية حتى تقبلت تجسيد ما شابهت به الهة مصرية فصنعتها من الذهب و عبدتها.
كان صراع محمد صراع علم و اعادة تعليم قبل ان يكون صراعه روحيا، ولذا فأن القصص التي تم وضعها عن سلوك محمد الروحاني في الدعوة قصص ظلمت حقيقة شخص و سلوك محمد خلال الدعوة.
لم يسلم محمد من حملتين انتهت احداهما بعد ان استكملت الاخرى الاساءة اليه، حملة على حياته و اخرى اطول و ابشع بعد وفاته، وبين الحملتين شراكة فكرية تقدم و تركز الاساءة بمحبة مدعاة بدل العداوة الواضحة في الحملة الاولى، فأن كان فيها مجنونا او شاعرا، فهو في الثانية مسحورا و ينسى، بل ان سوء حظ الرسالة اول ما تشكل فأنه تشكل بدخول اعداء محمد المتعمدين لدينه و داخل نظامه فيما لم يكن له ان يمنعهم، اذ انه داع و مذكّرٍ وليس مسيطر.
اما سوء الحظ الثاني للرسالة فكان ان انتهى مسارها لقيام نظام مشرعن بها جبرا من عقول الاغلبية التي فهمت بعد كل شروحات محمد، انه حاكم- ملك، ازاح زعامة قريش ليكون زعيما، وهذا الامر جلب مبكرا صراعا كان علي وكل فاهمي حقيقة محمد ضحاياه.
راجع تاريخ الصراع، راجعه بتجرد عن الاحكام المسبقة و المطروحة وذوات الوزن لحجم مؤيديها، وابعد العاطفة و التفخيم، وستصل لنتيجة ان كل فاهمي رسالة محمد و فاهمي شخصية محمد الحقيقة سواء الذين عاصروه او الذين تبعوا معاصرية من الفريق المدرك لشخص و رسالة محمد، مبعدين او قتلى.
ان رسالة محمد نصا مكتوبا وهي القرآن، و سيرة متجسدة بسلوكه الانسان و النبوي، تضررا بفداحة بمجرد وفاته، حيث هيمنت اسس الفكر السابق الذي هاجم محمدا في البدء، ليعقد رابطة قاتلة بين سبب مجيء محمد و بين نظام الدولة الذي قام لاعتبارات قبلية و قرابة.
الدولة الوليدة بعد وفاة محمد كانت صنما قبليا بلا صنم صخري او خشبي، بل هذه المرة هو صنم يشبه نظام قريش في الزعامة قبل رسالة محمد، لكنها تقبلت الله غير المرئي و محمدا نبيا فقط لكي تحكم هي.