الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة نقدية: نقد الذات في سماء سوداء غير هذه السماء للشاعر سوران محمد


قراءة نقدية: نقد الذات في سماء سوداء غير هذه السماء..للشاعر سوران محمد

 أحمد رياض

المقدمة:

كل كلمة في أصلها لها مدلول اعتباري معين، لكن سلطة الكلمة قد تجبر المتلقي المرور عبر قناة ما في حالنا (النص الشعري) للوصول الی تأويل الدوال حسب مخزونه المعرفي و خصائصه الاستنباطية، حينها تولد معان متعددة للكلمات داخل النص، وقد تلاحظ هذه العملية من خلال لعبة الدوال المتحركة والتي يقوم بها الشاعر المنتج، أي اعطاء أكثر من معنی بأستعمال علوم التشبیه والمجاز وانصهاره مع الرموز المستخدمة لايجاد وابتكار معان أخری قد تخدم اغراض النص، هنا تظهر أهمية علم العلامات(السيموطيقا). فاذا تجاوز الرمز عمقه الاستعاري ستصل الی دائرة خارج سياقها المتباينة، هنا سيجد القاريء نفسه أمام لغة داخل لغة، أي جعل اللغة العامة بكل قوانينها اللغوية وعاءا للغة أخری مبطنة ستحتفظ بسيماتها الشعرية ودلالاتها الاستعارية اذا ترجم الی أي لغة أخری، وهذه هي العلامة الفارقة للنص العالمي.

فادا نظرنا الی النص باعتباره فضاء متعدد المعاني، قد تتشابك  فيها صور حسية- مجازية مع صور واقعية بأستعمال رموز متجددة والذي يراه هايدغر بأنه يجعل المعنى ملتصقا بالكينونة الأصيلة، أو كما وصفه أدونيس "إضاءة للوجود المعتم واندفاع صوب الجوهر"  وهو اللغة مستورة التي تبدأ حين تنتهي لغة القصيدة. أي كل أداة لغوية تحل مكان شيء آخر في الدلالة عن طريق وجود علاقة عرضية.

 وكل ما قد ذكر تجتمع تحت خيمة الثيمة، وكما يقول  بول فاليري: "إنّ الأفكار في الشعر خفيّةٌ كالغذاء في الثمر". والنص بلا أفكار مبتكرة ليس سوی جعجعة كلام كما قيل.

ان حالة الشعور بالنقص بسبب ما آلت اليه واقع مجتمعاتنا جعلنا نستهين بابداعاتنا، بل حتی لا نتعرف علي المبدعين ولا نتميز بين النص المنتج وغيره وبالمقابل  نتعجب من الآخرين ونسوق لهم نتاجاتهم.

اعتبر ان النص الشعري (سماء سوداء) للشاعر العراقي سوران محمد احدی هذه النصوص الابداعية التي تأسر وعي القاريء مع أول كلمة يقرأها الی آخر قطرة من زبيبها المر، حيث يجد المتلقي نفسه  في الاخير أمام تشعبات شتی للمعنی، وهكذا  يعاود الی قراءات أخری ومع كل قراءة يستكشف جانبا مظلما من واقع تلك الازقة المهجورة التي تلتفت اليها المرسل مع المتلقي من خلال عملية کتابة النص و قرائته واحيانا يتفارقان في نقطة ما.

الثيمة:

يتوزع النص علی خمس مقاطع، يجعل المتلقي أن يعيش بين حالات من الهذيان والحلم والواقع السحري، وليس هذا الا بفظل تلك المظلة الواقية والقوية التي تسمی الثيمة الفعالة، تتمظهر من خلال سلسلة من الاستعارات لابتكار صور متجددة خليطة بدءا من الثيولوجيا وانتهاءا بالخيال لتوصيل أقوی رسالة شعرية من خلال صنع مدلولات متوازية ترقص علی حبالها القاريء المنتج بقراءاته المتنوعة حيث يشعر في الختام بلذة النص.

فاذا بدأنا بأول مقطع سرعان ما نجد أنفسنا نبتعد عن السماء الدنيا والمعروفة بالسماء الكوني الزرقاء الی سماء أخری سوداء، عادة تمطر السماء الماء والبرد والرحمة بينما سماء النص تمطر الاحجار، تلك من خلق الله وهذه من صنيعة البشر، ليس هذا الانحياز الدلالي الوحيد في هذا المقطع، بل ان أذی الاصابة بتلك الحجارة توقع  في الروح، هنا يستدرك القاريء بأنه يعايش مع الشاعر حالة من الهذيان، فتقنية التحام عالم الروح مع عالم المادة أو اقتران الحلم بالواقع واحيانا العلاقة المتضادة بينهما تتماشی علی خط متوازي الی نهاية النص.

يكتب الناقد جمعة عبدالله عن ‌هذا النص:" ليكون لسان الواقع التراجيدي الاسود اليوم بكل تفاصيله، كأن سحابة سوداء كثيفة تحجب الرؤيا والسماء الزرقاء، هذه معالم الواقع الحقيقية الذاتية والعامة بكل تفاصيلها، في التراجيدية والملهاة معاً (المبكي/ المضحك)، هذا حال عالمنا دون مجاملة وتزيف، غيوم سوداء كثيفة تمطر حجراً أسوأ من حجر سجيل، لكي تعمق الجراح اكثر فاكثر، وهذه العقلية المدمرة والقاسية، هذه المحنة والطامة التي نمر بها بأسوأ حالاتها القبيحة في واقعنا العربي المثقوب بالف ثقب وثقب".  

كما ان هنالك لغزا آخر بحاجة الی تفكيكه و سبر أغواره، الا وهو الذات الحاضر الغائب في أربع مقاطع للنص و (هو/هي) جالس/ة بجنب الشاعر ودون ان يشعر بأي تلك الاهوال التي يمر بها الشاعر من خلال سرده التراجيدي أو يتفاعل معه، وكأنه في الحلم أو كابوس والجالس في يقظة وترف، فشتان بين هذا و ذاك، عالمان متفاوتان جدا لكن القاسم المشترك بينهما هو ذات الانسان الذي تحتوي جسده علی آلة الاستشعار عن البعد الا وهي الروح. 

عدا تأويل الناقد جمعة عبدالله لهذا المقطع و كشف خيط الترابط استدلالا بالواقع الأليم، هنا يطرح سٶال جوهري نفسه حول صراع الروح والمادة في بني البشر وقد تتجاوز حده المسموح بل احيانا تصل حدته الی خلق المآسي بين الاجناس والألوان و هناك من يتألم والصنف الاخر يبقی ساكنا متفرجا.

كما في المقطع الثاني تظهر رعونة فرسان مدججين، لايبالون بالفكر ولا يعطون قيمة للكلمة اذ تدس حوافر خيولهم علی رأس الشاعر أو القاريء للنص ويتركن ندوبا و ثقوبا في الاذهان والفكر. رمزا لهذا الصراع الخفي ماوراء الدوال بين الجهالة والوعي. والذي يلوح به (فرسان البرية) وهو مضاد للحضر.

وعلی شاكلة مسخ كافكا يظهر في المقطع الثالث مخلوق مخيف ليوقع الشاعر في حفرة ظلماء مستوحات من قصة اخوان يوسف و خيانتهم له، فأصبحوا رمزا معروفا مقترنا بهذه الدلالة. للخلاص من تلك المحن لا يسع للشاعر الا الهروب فاذا بكابوس نار تحرق خيم من لا مأوی لهم، ثم خسف لربما من آثار صواريخ قد تزن طنا، فهذه هي صور اللاوعي التي تتكرر علی مرآنا و أصبحت المنطبع في أعماق (الأنا الاخر) المسحوق، والمشاهد هنا مشغول بملذاته و أغانيه دون الاكتراث بمعاناة بني جلدته.

في ختام النص يقوم الشاعر باستعمال تقنية متميزة ولعبة شعرية نادرة بالكلمات والافکار تتجسد في الكشف عن المستور من خلال التحدث مع حقيقة الآخر والاجابة علی أسئلة و خفايا النص، فكل مسببات تلك التراجديا ليس الا أنت يا أخي الانسان، و نحن بأمس الحاجة الی شيء من الانسانية المفقودة في زمننا الضائع.

الاستنتاجات:

كما ذهب اليه الناقد والشاعر الانجليزي تي أس اليوت فان النص المنتج ينأی بنفسه بعيدا عن استعمال الاسلوب المباشر للتعبير، عندئذ يكون قابلا لقراءات متعددة وهكذا يتفنن الشاعر في ايجاد أكثر من مدلول للأشياء،  بحيث يجد القاريء فسحة للنظر والتأويل و استيعاب ايماءات للرموز ترشد الی حيثيات جوانب خفية خلف الدوال و فهم كيفية تناول الشاعر لثيمة النص وايجاد العلاقات بين المجاز والواقع.

   وقديما حاول الشعراء الميتافيزيقيين الانجليز في القرن السابع عشر استخدام اساليب ابتكارية للخيال الأدبي، وزيادة التأكيد بشكل أكبر على الجودة المنطوقة بدلاً من الغنائية في أشعارهم.

ولعله هذا من أسباب شعور القاريء مع الشاعر بالهلع والاستيقاظ من النوم مثلما يحدث في نوبة الهلع النهارية، لكن الفارق هنا هو في رٶية صور شعرية مجازية و غير مألوفة تلمح الی أمور أخری أبعد من صدمة أو کابوس مزعج  أوعابر. فالروح تخرج من الجسد ولو لم تمت في منامها، فما سر الروح و الموت و علاقتها بالنوم والخيال؟.. هذا ما يحاول الشاعر التركيز عليه في بعده الفلسفي والتحول الابستمولوجي وتدرج المقاطع، في حين يری البعض الآخر من خلال قراءة اجتماعية أيديولوجية نفسه علی خارطة جيوبولتيكية شعرية لتتقلب الموازين عندما يتيقن من ان الذئاب في هذا النص هم الرعاة بالكشف عن وجوههم الحقيقية كما في نهاية النص، فلا راحة في النوم كذلك، کما ان الاحلام والواقع متلازمان ومكملان للبعض في المضمون الدّلالي لهذا النص.

المصادر:

1-The Art of Poetry, Paul Valery, Introduction by T.S. Elliot, 2016 by Princeton University Press.

2- Criticism and Truth by Barthes, Ronald, Translated and edited by Katrine Pilcher Keuneman, The Athlone Press, 2007، ISBN-13: 978-0-8264-9474-0

3- موقع الزمان العدد٨١٢١ بتأريخ ٢٢/٢/٢٠٢٥ قصيدة سماء سوداءللشاعر سوران محمد

 


مشاهدات 48
الكاتب  أحمد رياض
أضيف 2025/02/26 - 5:21 PM
آخر تحديث 2025/02/27 - 9:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 221 الشهر 14804 الكلي 10460175
الوقت الآن
الخميس 2025/2/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير