00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  الدمعة المعلّقة

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

قصة قصيرة
الدمعة المعلّقة

ريبون هبون
‮"‬إلى محمود حسن برازي،عرفاناً‮ ‬له ولمن سار على دربه ولم‮ ‬يصل أكتب هذه القصة‮"‬

‮ ‬يتناول نفسه بكل أريحية بما تجود عليه ذاكرته المفعمة بالحكايا بما فيها من صخب وألم‮ ‬،‮ ‬حياته‮  ‬غصص وعذابات‮  ‬ينهال عليها تذكراً‮ ‬وسرداً‮ ‬لحياة لا تفارقه رغم إقامته الطويلة في‮ ‬ألمانيا،‮ ‬يتذكر أيام كان في‮ ‬ليبيا،‮ ‬يتذكر مجدي‮ ‬الذي‮  ‬يضج حيوية ونشاطاً‮ ‬أما أبو هاموش‮  ‬غريب الأطوار‮ ‬يتدخل في‮ ‬كل شاردة وواردة‮ ‬،‮ ‬وتشغله التفاصيل المتعلقة بسحنات الأصدقاء والمكان دوماً‮ ‬أما المعلم أمجد المغربي‮ ‬فكان رجل المهمات‮ ‬،‮ ‬وهناك في‮ ‬المقابل منه معلم مالبور القادم من السويداء،‮ ‬وقد كان صبوراً‮ ‬ودقيقاً‮ ‬في‮ ‬عمله،‮ ‬أما أبو علي‮ ‬المنبجي‮ ‬فمفعم بالخيال وقد امتلأ بالأحلام الساخرة فقد أراد أن‮ ‬يكون للبدو الشوايا دولة خاصة بهم،‮ ‬بينما المعلم اسماعيل عدنان رجل العمل والجدية،‮  ‬يناقش الأعمال في‮ ‬المساء وكأنه جنرال‮ ‬يخطط مع جنوده لما سيأتي‮ ‬من معارك قادمة،‮ ‬أما المعلم أغيد باكوكي‮ ‬فقد أذهله بحيويته ونشاطه،‮ ‬وقد عرف أيضاً‮ ‬المعلم سعيد‮  ‬الخبير في‮ ‬تنفيذ المشاريع المتعلقة بالحديد،‮ ‬أما المعلم كمال ومحمود السعودي‮ ‬فقد ظلا بمثابة قوات للنجدة السريعة والتي‮ ‬تسعف المتباطئين كي‮ ‬يتمكنوا من إنهاء عملهم بيسر‮.‬
دائم التعلق بالآخرين،‮ ‬وتتقاسم ذاكرته حياته الحاضرة فيقاسمها لأصدقاءه في‮ ‬العالم الافتراضي‮ ‬كأنما‮ ‬يحاول التخلص من جمرات تستوطن حنجرته التي‮ ‬باتت موقداً‮ ‬واسعاً‮ ‬للشجون والذكريات،‮ ‬إنه سجين الماضي‮ ‬دلناس الذي‮ ‬لا‮ ‬يجد من الحاضر سوى مضافة‮   ‬لاستقبال الطيوف والأشباح،وقد تعرّف حديثاً‮ ‬على جاره‮  ‬الصحفي‮ ‬السابق جيان في‮ ‬البناية المجاورة والذي‮ ‬يعمل‮  ‬حالياً‮ ‬كموزع بيتزا عبر سيارته‮ ‬،‮ ‬وقد دوام بعد أن أنس بصحبته في‮ ‬المجيئ إليه عند كل مساء ليروي‮ ‬له قصصه التي‮ ‬تبعث على الشجون بدل من أن‮ ‬يقضي‮ ‬وقته‮  ‬في‮ ‬مشاهدة المسلسلات عبر اليوتيوب،منزل دلناس مكتظ بأصوات الأولاد وضجيجهم‮ ‬،‮ ‬وقد أوجد لنفسه حجرة ضيقة لابأس بها سوى من رائحة التبغ‮ ‬والقهوة اللتين اقترنتا بأنفاسه وتلك الحجرة،‮ ‬على الطاولة جرائد‮ ‬يستخدمها لوضع الفنجان وأحياناً‮ ‬لجمع رذاذ أعقاب السجائر،‮  ‬وعلى طرفي‮ ‬الطاولة كتب مصفوفة على عجل فوق بعضها البعض،‮  ‬ملامحه الهزيلة‮  ‬وتجاعيد وجهه تؤرخان للعيون المقابلة ملحمة عنوانها البؤس والقنوط من أحلام وأمنيات لم تتحقق‮  ‬كأنه خرج للتو من
‮. ‬كوباني،مدينته الصغيرة التي‮ ‬واجهت أعتى تنظيم إرهابي‮ ‬عابر للقارات
رحّب بجيان متوجهاً‮ ‬به لحجرته،‮ ‬فأشعل سيجارته قبل أن‮ ‬يشعل ضوء الحجرة،‮ ‬وجلسا‮ ‬يتبادلان الشرود
جيان بسحنته المرحه وعيناه اللتين تتفحصان‮ ‬يمنة ويسرة،‮ ‬كأنهما تبحثان عن شيء تجهلانه قاطعتهما نبرة دلناس
ماذا تشرب اليوم‮ -  ‬
‮ ‬قهوة الحديث بلا شك‮ - ‬
‮ ‬نشرب قهوة سوداء إذن‮-‬
‮:‬ضحك بأسى
‮ ‬لابأس‮-  ‬
‮ ‬من أين أبدأ كل جهات الذكرى تقودني‮ ‬للدخول في‮ ‬أي‮ ‬معترك كلامي،‮ ‬مابين حاضر متخم بالتذكر وماضٍ‮ ‬لم‮ ‬يبتعد كثيراً‮-‬
حين كنت وقتها طالباً‮ ‬في‮ ‬الإعدادية،‮ ‬نتسلق الحائط الخلفي‮ ‬للهروب من اجتماع الشبيبة أو من الحصة الأخيرة للدوام المسائي،‮ ‬معبئون كنا بتلك الشعارات البرَاقة جداً‮ ‬في‮ ‬أن نتصدى للامبريالية واليوم نستجدي‮ ‬الامبريالية والرأسمالية كي‮ ‬تبقى بيننا،‮ ‬حتى لا
‮. ‬يأتي‮ ‬الأتراك أو النظام السوري‮ ‬لتركيعنا وإذلالنا فهل شاهدت تلك المفارقة التي‮ ‬نعيشها
‮. ‬حتى‮ ‬يدرك المرء الحقائق قد‮ ‬يدفع عمره لأجل معرفتها‮-‬
‮ ‬التبعية قتلتنا،‮ ‬جعلت من عقولنا حفراً‮ ‬للمراحيض،‮ ‬وقادتنا لمقاصل ذوي‮ ‬النفوذ والهيمنة كعبيد‮ -‬
‮ ‬دعك من هذا الآن وحدثني‮ ‬عندما عدت من الجبال وأردت الانخراط في‮ ‬الحياة كبقية الناس حينذاك‮-‬
‮:‬بعد عودتي‮ ‬دعاني‮ ‬ابن عمي‮ ‬مروان لمأدبة عشاء وعند انتهاءنا بينما كنا نشرب القهوة المرة،‮ ‬كمرارة الحديث وقتها قال لي‮ ‬
‮ ‬لعمري‮ ‬لم أجد أغرب منك‮-‬
‮ ‬أين الغرابة‮-‬
‮ ‬لماذا عدت مجدداً،‮ ‬كان بإمكانك الهجرة والسفر بعيداً،‮ ‬أو البقاء هناك تعمل وتنتج وتجمع الأموال حتى تتمكن من جمع ثروة تصبح بعدها‮ ‬غنيا
‮ ‬تتحدث كمنطق الأطفال الآن،‮ ‬كيف ستكون الحياة فيما لو لم أعد للبلد،إن بقيت في‮ ‬جنوب كوردستان ستكون تهمتي‮ ‬أني‮ -‬
‮ ‬انضممت للبارزانيين بعد أن سرقت من الثورة أو خطفت أحد الرفيقات وهذا أحسه أصعب من العار نفسه،‮ ‬لكني‮ ‬أرى
‮.  ‬عودتي‮ ‬أفضل لأني‮ ‬سأكتفي‮ ‬بعيش تهمة خيانة الثورة وترك الميدان للثعالب دون سواها من تهم
‮ ‬منطق التخوين‮ ‬يلازم الحزب فأنت خائن بكل الاحتمالات‮-‬
‮:‬هنا تسمّر جيان بملامحه وأردف قائلاً‮ ‬
‮ ‬أعلم أنك لن تستطيع بيسر الفكاك مما مررت به،‮ ‬لأن ذلك‮ ‬يبدو صعباً،‮ ‬فقد وهبت حياتك ثمناً‮ ‬للحرية،‮ ‬وبالكاد خرجت من تلك المعمعة وأنت مثبت الأجزاء‮ ‬،‮ ‬أما‮ ‬غيرك فقد خرج منها إما معاقاً‮ ‬أو مبتور الذراع أو الساق،‮ ‬إن الثورات على طول تلك الرقعة
‮. ‬الشرق أوسطية جعلت من نفسها مصيدة لجمهور العاطفيين والشباب ذوي‮ ‬الطاقات والدماء المغلية
‮ ‬عبارة ابن عمي‮ ‬مروان أحدثت داخل قلبي‮ ‬ثقباً‮ ‬دائري‮ ‬الشكل‮ ‬يتسع لرصاصة سميكة الحجم تناسب حجم ذلك الثقب المحدودب‮-‬
حين قال لي
فقدت من عمرك‮ ‬18 عشر ربيعاً‮ ‬لأجل لا شيء،‮ ‬الذين في‮ ‬مثل سنك أولادهم فتية‮ ‬يعملون بالنيابة عنهم وهم‮ ‬يجلسون متربعين في‮ ‬بيوتهم،‮ ‬بينما أنت ستبدأ لتوك مسيرة الاستقرار من زواج وإنجاب وما شابه‮ ‬،‮ ‬بعد كل تلك التضحية هل ستجد من أحد بإمكانه أن‮ ‬يقرضك ثمن دجاجة؟
فقدت والدتك أحد عينيها لشدة حزنها وبكاءها عليك حين ذهابك للجبال،‮ ‬أما والدك فقد باع ما‮ ‬يملكه كي‮ ‬يؤمن مصاريف أخوتك
‮.  ‬الدراسية
‮:‬أجبته‮ ‬غاضباً‮ ‬
‮.‬لقد ذهبت لأجل الدفاع عن شعبي‮ ‬ولم أرتكب أي‮ ‬عار‮ ‬،‮ ‬لم أسرق أو أغتصب‮- ‬هنا قاطع جيان صمت دلن،،،،اس لبرهة
يبدو أن ابن عمك فهم طريقة تشكل عقول المحيطين بك،‮ ‬فكأنه قال لك أن‮  ‬الناس لا تؤمن بشيء‮ ‬يخلصها من بؤسها بقدر ما‮ ‬يهمها طريقة عيشها كيفما اتفق،‮ ‬فهي‮ ‬لا تهتم بالقضية التي‮ ‬نذرت لها حياتك والتي‮ ‬تخص تحريرهم مما هم عليه من بؤس وعطالة في
‮. ‬الفكر
أخذ منا الحديث مبلغاً‮ ‬من الوقت علي‮ ‬الذهاب الآن،‮ ‬غداً‮ ‬سأصحو باكراً‮ ‬لمحل البيتزا،‮ ‬تصبح على خير
‮.‬وأنت بخير‮- ‬
لم‮ ‬يعرف النوم طريقه لأجفان دلناس تلك الليلة‮ ‬،‮ ‬وحاول دون جدوى طرد الألم الذي‮ ‬لم‮ ‬يبارحه،‮  ‬تذكر وداع عائلته في‮ ‬أحد أيام عيد الفطر السعيد،‮ ‬وحين عودتهم من المقبرة صباحاً‮ ‬،‮ ‬فقال لهم أنه ذاهب للالتحاق لصفوف الثورة‮ ‬،اعتبروني‮ ‬ميتاً‮ ‬من الآن فصاعداً‮ ‬
تذكر كلمة والدته‮ : ‬لتكن طريقك مفتوحة‮ ‬يا ولدي
بينما راح والده‮ ‬يهمّ‮ ‬بعناقه فسقطت دمعة شرهة شرسة كبيرة الحجم من عينيه على جبينه الغض وقال له‮ ‬
‮.‬ليكن الله معك أينما حللت بني
ابن العم مروان قالها والدمع‮ ‬يغالبه حينها
‮.‬وداع محرق للقلب في‮ ‬هذا الصباح الميت حزناً‮ ‬لقد شويتم روحي
‮:‬رفع صوته العميق البعيد العابر أطوار الزمن‮ ‬
والديّ،‮ ‬أماه،‮ ‬أخوتي‮ ‬ابن عمي،‮ ‬أبناء قريتي‮ ‬ووطني،‮ ‬أيها الكون الواقف فوق صدري
تهاوى قطار الأمل وحاد عن سكته،‮ ‬أقولها بكل أسف
شعر دلناس بأن دمعة كالتي‮ ‬سقطت من عيني‮ ‬والده نحو جبينه تحاول الخروج من سجن عينيه إلا أنها أبت أن تنهال،‮ ‬وإنما بقيت
‮. ‬داخل محجري‮ ‬عينه اليسرى جهة القلب تحاول السقوط ولا تسقط،‮ ‬

عدد المشـاهدات 127   تاريخ الإضافـة 11/10/2021   رقم المحتوى 55454
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الأربعاء 2021/10/27   توقيـت بغداد
تابعنا على