الهويّة بين المعبد والأمّة
كفاح محمود
في الشرق الذي نعيش فيه، لا تكاد تُطرح مسألة الهوية حتى يتداخل فيها ما لا يتداخل: الدين بالقومية، والعقيدة بالنسب، والمعبد بالقبيلة. وكثيرًا ما يُسأل الواحد منا عن قوميته فيجيب بدينه، أو يُسأل عن دينه فيجيب بعشيرته، كأن هذه الدوائر طبقةٌ واحدة لا تنفصل، والحقيقة أن هذا الالتباس ليس بريئًا، ولا هو مجرد خطأٍ في المصطلح، بل واحدٌ من أعمق جذور أزماتنا السياسية منذ نشأت دولنا الحديثة.
الدين، في جوهره، عقيدة: تصوّرٌ للخالق والوجود والمصير، ومنظومةٌ من القيم والطقوس والشرائع يؤمن بها الإنسان فيلتزم بها، وهو بهذا المعنى أقرب إلى الأيديولوجيا منه إلى الانتماء؛ فكرةٌ تسكن العقل والوجدان، تنتقل من شعبٍ إلى شعب ومن لغةٍ إلى لغة، يعتنقها الغريب ويهجرها القريب، ولهذا انتشرت الأديان الكبرى عابرةً للأجناس والجغرافيا، ولم تسأل من دخلها عن لون بشرته أو لسان أمّه.
أما القومية فشيءٌ آخر تمامًا، إنها انتماءٌ إلى جماعةٍ بشرية تشكّلت ببطءٍ عبر قرونٍ طويلة، صاغتها لغةٌ مشتركة وأرضٌ مشتركة وذاكرةٌ وأغانٍ وأمثالٌ وأحزانٌ وأفراحٌ متوارثة. يولد الإنسان فيها كما يولد في لغته الأم، قبل أن يعي أو يختار، وقد يبدّل عقيدته مرةً ومرتين، لكنه لا يستطيع أن يبدّل الذاكرة التي تكلّمت بها جدّاته، ولا الأرض التي صنعت ملامحه. والعشيرة والعِرق والجغرافيا دوائرُ من الطبيعة ذاتها: روابطُ دمٍ أو أرضٍ أو تاريخ، لا روابطُ إيمان.
احتضان الاديان
ويكفي أن ننظر حولنا ليتّضح الفرق، فالأمة الواحدة تحتضن أديانًا متعددة: في الكورد مسلمون سنّةً وشيعة، وإيزيديون، ومسيحيون، وكاكائيون، وكان فيهم يهودٌ عاشوا قرونًا في قرى كوردستان ومدنها قبل أن يُهجَّروا، وفي العرب مسلمون ومسيحيون ودروز، ولم يخرج أحدٌ من هؤلاء من قوميته لأنه صلّى في معبدٍ غير معبد جاره، وفي المقابل يجمع الدين الواحد أممًا لا يجمعها لسانٌ ولا تاريخ؛ فالإسلام يضمّ العربي والكوردي والتركي والفارسي والأفغاني والملايوي والأفريقي، والمسيحية تمتد من الأرمني والآشوري إلى الإيطالي والبرازيلي، فلو كان الدين قوميةً لكانت هذه الشعوب كلها أمةً واحدة، ولو كانت القومية دينًا لما صلّى أبناء البيت الواحد إلى قبلتين.
ويبقى السؤال الأدق: ماذا عن الديانات المغلقة، تلك التي لا تقبل أن يعتنقها أحدٌ من خارجها، ولا تجيز لأتباعها الخروج منها، فلا يكون المرء من أهلها إلا بالولادة؟ أليست، بحكم انغلاقها، أقرب إلى القومية منها إلى العقيدة؟ هنا تحديدًا يكمن الالتباس الذي استثمرته السياسة طويلًا، فانغلاق الدين قاعدةٌ داخلية تنظّم العضوية في الجماعة الإيمانية وتحميها من الذوبان، لا شهادةُ ميلادٍ لأمةٍ مستقلة؛ والوراثة هنا وراثةُ عقيدة لا وراثةُ قومية، فالإيزيدي الذي يرتّل أقواله الدينية بالكوردية، ويغنّي بها، ويحمل في ذاكرته أسماء جبالها وقراها ومآسيها، كورديُّ القومية إيزيديُّ الديانة، ولا يُنقص انغلاقُ دينه من كورديته شيئًا، كما لا يجعل انغلاقُ المذهب الدرزي من الدروز قوميةً غير عربية، الانغلاق يحدّد من يدخل المعبد، لا من ينتمي إلى اللغة والأرض والتاريخ.
اداة حكم
ولم يكن هذا الخلط في بلادنا سوءَ فهمٍ عابرًا، بل أداةَ حكم. فقد عرف العراق في عهد البعث سياسة «تصحيح القومية»، حين دُفع الناس إلى تغيير قومياتهم في السجلات الرسمية، ونُسب الإيزيديون والشبك وغيرهم إلى غير قومياتهم، في محاولةٍ لإعادة رسم الخريطة السكانية بالقلم والاستمارة، ثم جاء ما بعد 2003 بنسخةٍ معكوسة من الخطأ ذاته: صار المذهب هويةً سياسية، وتحوّلت الطوائف إلى «مكوّنات» تتقاسم الدولة، وظهرت محاولاتٌ لاقتطاع جماعاتٍ دينية من أممها وتقديمها قومياتٍ مستقلة، لا لأن التاريخ يقول ذلك، بل لأن الحسابات الانتخابية وخرائط المناطق المتنازع عليها تحتاج إليه.
والنتيجة في الحالين واحدة؛ فحين يتحوّل الدين إلى قومية تولد الطائفية، ويغدو الإيمان حدودًا بين الناس بدل أن يكون جسرًا إلى السماء، وتُبنى الدولة على عدّ الرؤوس في المعابد، وحين تُلبَس القومية ثوبَ القداسة تولد الشوفينية، ويصير الانتماء إلى اللغة والأرض عقيدةً لا تقبل النقد ولا تحتمل الآخر، وكلا الانحرافين قاد شعوب هذه المنطقة إلى المقابر الجماعية والتهجير والإبادة.
إن الفصل بين المفهومين ليس دعوةً إلى إضعاف أيٍّ منهما، بل إلى وضع كلٍّ في موضعه، فالإيمان شأنٌ بين الإنسان وربّه، يمارسه بحريةٍ وكرامة، والقومية شأنٌ بين الإنسان وتاريخه ولغته، يعتزّ بها دون أن يستعلي بها على غيره، وما يجمعهما ويحميهما معًا هو المواطنة: دولةٌ لا تسأل أحدًا عن صلاته حين يطرق باب حقوقه، ولا عن نسبه حين يؤدي واجباته.
وحين نبلغ ذلك سنكفّ عن سؤال الناس: من أيّ دينٍ أنت لنعرف من أيّ قومٍ أنت؟ وسنفهم أن المرء قد يغيّر قبلته ولا يغيّر لغته، وأن العقيدة تُعتنَق، أما الأمة فتولد معنا.