الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
وزارة التجارة والهايبر ماركت: طموحٌ مشروع وآلياتٌ غير مفعّلة

← بواسطة azzaman

وزارة التجارة والهايبر ماركت: طموحٌ مشروع وآلياتٌ غير مفعّلة

محمد فخري المولى

 

يشهد السوق العراقي اليوم حراكاً يتجاوز فكرة العرض والطلب ليصبح اختباراً مباشراً لقدرة الدولة على إدارة علاقتها بالمستهلك وتحديدا بعد زيادة سعر الصرف

بهذا السياق يأتي توجه وزارة التجارة لإحياء وتوسيع قطاع الأسواق المركزية (الهايبر ماركت) كخطوة تبدو في ظاهرها جريئة فالمسألة لا تتعلق بافتتاح مساحات تسوق إضافية بل بمحاولة استخدام أداة تجارية لضبط الإيقاع السعري وكبح التضخم المستورد وإعادة تنظيم سلاسل الإمداد في المدن الكبرى في مساعي حقيقية لضبط ايقاع التعاملات التجارية للمواد.

 

في ذاكرة الاقتصاد العراقي

لا يمكن قراءة وزارة التجارة خارج الذاكرة الاجتماعية للعراقيين لانه ارتبط اسمها في التسعينيات بصمام الأمان العائلة العراقية (البطاقة التموينية) التي تحولت من إجراء إداري إلى عقد اجتماعي ضمني بين الدولة والأسرة ايام الحصار الاقتصادي وطبعا قبل ذلك وبعده تمدد دور الوزارة وتقلص وفق منطق الدولة الريعية وتقلباتها

تحولات السوق والاسواق العراقية

بعد ٢٠٠٣ انفتح السوق العراقي فجأة على الاستيراد الشامل بلا قيد او شرط

بينما بقيت أدوات الدولة الرقابية والإنتاجية أسيرة بنية قديمة فاتسعت الفجوة بين سوق يتحرك بمنطق الاستيراد الحر ومؤسسة تحاول تنظيمه بمنطق التجهيز المركزي ومن هنا يعود اليوم النقاش حول الهايبر ماركت الحكومي ليس كمشروع عقاري بل كمحاولة متأخرة لاستعادة دور تنظيمي.

 

الأسواق المركزية.. من المبنى إلى المنظومة

الخطأ الأكثر شيوعاً هو التعامل مع الأسواق المركزية كمبانٍ. في الحقيقة هي كانت ولا تزال بنية تحتية للتجارة الداخلية عندما انهارت لم نخسر جدراناً بل خسرنا شبكة توزيع كانت تربط الميناء بالمخزن والمخزن بالحي والمنتج المحلي بالمستهلك.

أن إعادة تأهيلها وتحويلها إلى هايبر ماركت لا يجب أن يُقاس بعدد عربات التسوق أو مساحة الواجهة الزجاجية التحديث الحقيقي ليس معمارياً بل إجرائي: كيف يتم الشراء، كيف يُدار المخزون، من يختار المورد، كيف تُحسب كلفة النقل والتبريد والهدر

الاهم كيف يُحاسب المسؤول عن النتيجة؟

بدون إجابات واضحة سنعيد إنتاج المشكلات القديمة داخل مبانٍ جديدة سنستبدل اقتصاد الواجهة باقتصاد المنظومة.

 

لكن... وما أدراك ما لكن

لماذا الطموحات المعلنة تصطدم عادة عند عتبة التنفيذ بواقع  يوعطل؟

انقل لكم توصياتي للهايبر ماركت

(الاسواق المركزية) سابقا المقدمة منذ خمس سنوات

م/اعادة العمل بالاسواق المركزية

(مولات) الحكومة العراقية 

نتمنى إطلاق مبادرة لاعادة العمل ب (الاسواق المركزية) لتكون اساس حقيقي للمولات الحكومية بتفعيلها من خلال تسويق منتجات وزارة الصناعة والزراعة وكذلك السلع التي تستوردها وتسوقها وزارة التجارة.

التفعيل سيسهم برفد المواطن بسلع اساسية وغيرها لنصل بمرحلة اخرى لمديات اوسع واعم تخدم المواطن بدخول القطاع المختلط كشريك فاعل ثم القطاع الخاص بمرحلة ثالثة.

هذا الامر لو تمت ادارته بطريقة ناجعة سيضيف مبالغ مالية سترفد الحكومة والجهات ذات العلاقة

لنجعل شعارنا

انجاز وتطوير وتفعيل الهايبر ماركت.

 

الهايبر واجهة حديثة بآليات قديمة

هذه الفجوة يمكن تفكيكها في ثلاث مفاصل:

أولاً، فجوة التشريع والتنفيذ:

تملك الوزارة ترسانة من القوانين

لكن تحويل النص إلى أثر سوقي يمر عبر مسار بيروقراطي بطيء، يفقد القانون قدرته على الردع والتنظيم

فيتحول إلى حبر على ورق.

ثانياً، غياب التكامل المؤسسي:

الهايبر ماركت لا يعمل بمفرده

هو يحتاج تخطيطاً عمرانياً يحدد موقعه ونقلاً يضمن وصول سلعه وسياسة صناعية تحمي المنتج المحلي داخله وسياسة منافسة تمنع الاحتكار حوله

بدون هذا التكامل يتحول من رافعة تنموية إلى عبء تشغيلي.

 

ثالثاً، إدارة الأزمة بدلاً من إدارة السوق:

اعتدنا على تدخلات موسمية تخفيض مؤقت هنا حملة رقابية هناك

بينما السوق يحتاج إلى استراتيجية دائمة مبنية على بيانات حية عن الأسعار والمخزون والاستهلاك

لا على مزاج إداري متقلب.

 

الهايبر كفضاء اجتماعي

لا يمكن اختزال الهايبر ماركت في كونه رفوف سلع. هو فضاء اجتماعي يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والطبقة الوسطى والطبقات محدودة الدخل

في علم اجتماع السوق السعر ليس رقماً محايداً عندما ترتفع سلة الغذاء لا تتساوى الأسر في الألم

الأسرة محدودة الدخل لا تقلل الرفاهية بل تقتطع من التعليم والصحة والنقل بينما تملك الأسر الأعلى دخلاً هامشاً للتكيف لذلك، فإن الهايبر الحكومي

لا يُقاس بمساحته بل بقدرته على حماية القوة الشرائية للفئات الأكثر هشاشة (الفقيرة) والهشة.

هنا تظهر ثلاثة أبعاد اجتماعية حاسمة:

١. اقتصاد الثقة: المواطن لا يستعيد ثقته بالإعلان بل بالتكرار

سلعة متوفرة كل يوم سعر معلن وواضح، جودة مستقرة فكل وعد لا يتحول إلى نتيجة ملموسة يوسع الفجوة الرمزية بين المؤسسة والمجتمع ويحول التوسع التجاري من فرصة للرفاه إلى مصدر جديد للقلق المعيشي.

٢. العدالة المكانية: توزيع المنافذ وفق منطق الكثافة التجارية وحدها يعيد إنتاج اللامساواة الأحياء الطرفية والأقضية والنواحي تدفع كلفة نقل أعلى وتملك خيارات أقل اختيار الموقع يجب أن يبنى على خرائط الفقر والأسعار وسهولة الوصول لا على اعتبارات إدارية فقط.

٣. العدالة الاقتصادية: خفض السعر وحده ليس عدالة

العدالة هي استدامة التوفير واستمرارية الجودة وتوجيه الدعم لمن يحتاجه فعلاً لا تحويل الموارد العامة إلى منفعة معممة يستفيد منها من لا يواجه الضغط نفسه.

 

الدولة والقطاع الخاص: شراكة أم مزاحمة؟

الخيار ليس بين دولة تبيع وتاجر يبيع الخيار بين سوق تحكمه قواعد واضحة وسوق تحكمه علاقات غير متكافئة

القطاع الخاص يملك شبكات تجهيز وخبرة تشغيل لا تملكها الدولة

والدولة تملك قدرة تنظيمية وقوة شرائية يمكنها توسيع المنافسة

لكن الشراكة لا تنجح بالشعارات بل تحتاج إلى عقود شفافة ومعايير معلنة لاختيار الشركاء، وتوزيع واضح للمخاطر والأرباح ومنع تضارب المصالح والاحتكار.

الأخطر هو الاكتفاء بتأجير المساحات لمجهزين يبيعون نفس السلع بنفس الأسعار دون قيمة مضافة

عندها لا نكون أمام شراكة بل أمام خصخصة مقنعة،

كذلك فإن ربط الهايبر بالمنتج الوطني لا يجب أن يكون فقرة في خطاب الافتتاح بل جزءاً من نموذج العمل:

مواصفات جودة، آلية شراء عادلة، ودفع منتظم للمستحقات. إذا نجح هذا الربط يتحول الهايبر من منفذ بيع إلى محرك تشغيل وإنتاج.

 

الحديث عن أسعار تنافسية يجب أن يخضع لثلاثة اختبارات لا يمكن القفز فوقها:

اختبار التسعير:

هل السعر المنخفض نتاج منظومة شراء كفوءة وتكاليف تشغيل محسوبة، أم تخفيض مؤقت لا يمكن استدامته؟ وهل تنشر الوزارة سلة سلعية موحدة ومقارنة سعرية موثقة مع السوق؟

اختبار الشراكة:

هل تدار المنافذ بعقود إدارة وتشغيل شفافة ومنافسة عادلة، أم بترتيبات غير معلنة لا يعرف المواطن من يتحمل كلفتها ومن يجني ريعها؟

اختبار الرقمنة:

الرقمنة ليست نقل المعاملة من الورق إلى الشاشة. الرقمنة الحقيقية هي القدرة على رؤية المخزون وحركة السلعة وكلفة النقل ونسب الهدر لحظياً، وتحويل البيانات إلى إنذار مبكر ومساءلة.

 

الخلاصة:

من مبنى تجاري إلى مشروع دولة

قضية الهايبر ماركت ليست قضية مبانٍ تجارية بل اختبار لقدرة المؤسسة الحكومية على الانتقال من إدارة الإجراءات إلى إدارة النتائج ومن منطق التجهيز الآني إلى منطق تنظيم السوق

الفرصة موجودة: أصول يمكن تأهيلها من جديد وطلب اجتماعي حقيقي على سلعة عادلة وإمكانية لربط التجارة بالصناعة الوطنية

لكن نجاحها مشروط بتحولات لا تقبل التأجيل: وضوح الغاية، وكفاءة الإدارة، وشفافية التعاقدات، وعدالة توزيع المنافذ، واستدامة التجهيز.

المواطن لا ينتظر علامة تجارية جديدة بل ينتظر سلعة متوفرة وسعراً عادلاً وجودة مضمونة.

فبين الطموح والواقع تقف الآليات وبين الآليات والنتائج تقف الإدارة

وبين الإدارة وثقة الناس تقف الشفافية والمساءلة وهنا نعود إلى جوهر المشكلة الذي يختصر كل شيء.

تقديري واعتزازي 

 

 

 


مشاهدات 57
الكاتب محمد فخري المولى
أضيف 2026/10/31 - 1:29 PM
آخر تحديث 2026/11/01 - 2:14 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 242 الشهر 242 الكلي 16650776
الوقت الآن
الأحد 2026/11/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير