الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
السلطة في الخطاب الإعلامي

← بواسطة azzaman

السلطة في الخطاب الإعلامي

خالد العزي

 

تتجلّى السلطة في الخطاب الإعلامي من خلال تأثيرها في شروط إنتاجه، ولا سيّما التفاوت في فرص الوصول إلى المنابر الإعلامية والقدرة على التأثير في مضامينها. ويرى فان دايك أنّ امتلاك الفاعلين الاجتماعيين إمكانات الوصول إلى هذه المنابر يعزّز فرص حضورهم في الخطاب والتأثير في اتجاهاته، بما يعكس علاقات القوة القائمة بينهم. غير أنّ الوصول إلى الخطاب لا يعني بالضرورة السيطرة عليه، بل يتيح للفاعلين موارد رمزية تمكّنهم من التأثير في مضمونه. ويشير فيليب شليسنغر إلى أنّ "المصدر الإخباري لا يسيطر على تعريف الخبر، وإنّما يخوض منافسة التأثير على تعريفه". وبذلك، لا تقتصر السلطة الإعلامية على التحكّم المباشر في المحتوى، بل تشمل القدرة على تحديد الموضوعات المطروحة وتوجيه كيفية تقديم الأحداث وتفسيرها.

ولا يعني حضور فاعلين متعدّدين في الخطاب الإعلامي أنّ رواياتهم تحظى بالاهتمام نفسه، إذ تتفاوت فرص ظهورها تبعًا للمكانة الاجتماعية التي يشغلها أصحابها والموارد التي يمتلكونها للتأثير في المجال الإعلامي. فقد تتصدّر روايات معيّنة المشهد، فيما تأتي أخرى في مرتبة ثانوية أو تُهمَّش. ويمكن تفسير هذا التفاوت بالاستناد إلى مفهوم رأس المال الرمزي لدى بيير بورديو، الذي يربط القدرة على التأثير بالمكانة التي يشغلها الفاعلون وبما يحظون به من اعتراف داخل المجال الذي ينشطون فيه. ومن ثمّ، تصبح الروايات الصادرة عن الأطراف الأكثر نفوذًا أقدر على اكتساب القبول وتحديد المعنى الذي يُمنح للحدث، وقد تبدو أحيانًا وكأنّها التفسير الوحيد له. ويتقاطع هذا التصوّر مع رؤية فيركلاف للخطاب بوصفه مجالًا لممارسة علاقات القوة، حيث يتنافس الفاعلون على التأثير في مساره وتعريف موضوعاته. وعليه، يكشف التفاوت في حضور الروايات عن اختلاف القدرة على تحويل المواقف والتصوّرات إلى معانٍ متداولة ومقبولة في المجال العام.

ويمتدّ تأثير السلطة إلى تحديد التفسيرات التي تدخل مجال التداول الإعلامي، وتلك التي تبقى خارجه. فإبراز رواية معيّنة ومنحها مساحة واسعة من التغطية قد يسهمان في ترسيخها إطارًا أساسيًا لفهم الحدث، في حين يؤدّي تهميش الروايات الأخرى إلى الحدّ من فرص انتشارها. وهنا تبرز أهمية مفهوم نظام الخطاب لدى ميشال فوكو، الذي يشير إلى خضوع إنتاج الخطاب وتداوله لإجراءات وقواعد تضبط حدوده وتنظّم ما يمكن قوله وكيفية ظهوره وانتشاره. وفي هذا الإطار، لا تقتصر السلطة على اختيار الروايات التي تحظى بالحضور، بل تشمل أيضًا تحديد المكانة التي تُمنح لها من حيث الشرعية والمصداقية والأهمية؛ إذ قد تُقدَّم رواية بوصفها تفسيرًا مقبولًا، بينما تُعرض أخرى باعتبارها موضع شك أو تفتقر إلى الموثوقية.

ولا يتطلّب ترسيخ رواية بعينها الرفض الصريح للروايات المنافسة، فقد يتحقّق من خلال تقليص مساحة ظهورها، أو ترتيب المعلومات بما يمنح عناصر محدّدة أهمية أكبر، أو تأطير الأحداث ضمن سياقات توجّه المتلقّي نحو تفسير معيّن. وبذلك، تتجاوز ممارسة السلطة ما يصرّح به الخطاب إلى ما ينتقيه ويهمّشه، وإلى الكيفية التي يرتّب بها الوقائع ويقدّمها للجمهور. فالخطاب الإعلامي لا يحدّد فقط ما يُقال بشأن الحدث، بل يسهم أيضًا في تحديد ما يستحقّ أن يُقال، ومن يملك حقّ الحديث عنه، وأيّ التفسيرات تحظى بالثقة والقبول.

لذا، يمكن فهم السلطة في الخطاب الإعلامي بوصفها سلطة رمزية تقوم على تشكيل المعنى وتوجيه الإدراك وبناء التصوّرات المتداولة اجتماعيًا. فهي لا تعتمد بالضرورة على الجبر والإكراه المباشر، بل تمارس تأثيرها من خلال الإقناع وإنتاج الدلالات وتحديد الأطر التي يُفهم الواقع في ضوئها. ومن ثمّ، لا تكون السلطة الإعلامية مجرّد انعكاس لعلاقات القوة القائمة خارج الخطاب، بل تتجسّد أيضًا في شروط إنتاجه وآليات تنظيمه وتوزيع فرص الحضور والتأثير داخله.

وتتّخذ القوى الفاعلة خارج المجال الإعلامي من الخطاب وسيلة للتأثير في تعريف الأحداث وتوجيه فهمها بما يتلاءم مع مصالحها وتوجّهاتها، ليس بالضرورة عبر التحكّم في مجريات الأحداث، بل من خلال التأثير في سرديتها؛ أي في كيفية انتقاء عناصرها وترتيبها وتفسيرها وتقديمها للجمهور. وهكذا، يصبح التنافس على السردية جزءًا من التنافس على السلطة، لأنّ الطريقة التي يُقدَّم بها الحدث تسهم في تحديد معناه، وفي ترسيخ بعض الروايات بوصفها حقائق متداولة، مقابل إقصاء روايات أخرى أو الحدّ من حضورها في النقاش العام.

إذن، لا يمكن فهم الخطاب الإعلامي بمعزل عن علاقات القوة التي تسهم في تشكيله وتحديد مسارات إنتاجه وتداوله، إذ لا تتساوى جميع الأطراف في قدرتها على الوصول إلى المنابر الإعلامية أو الحضور فيها أو التأثير في مضامينها. ويرى فان دايك أنّ امتلاك الفاعلين الاجتماعيين إمكانات الوصول إلى وسائل الإعلام يعزّز فرص ظهورهم في الخطاب الإعلامي والتأثير في مضمونه، بما يعكس التفاوت القائم في توزيع القوة داخل المجتمع. غير أنّ الوصول إلى المنابر الإعلامية لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحكّم الكامل في الخطاب، بل يتيح للفاعلين موارد رمزية يمكن توظيفها للتأثير في الموضوعات المطروحة والاتجاهات التي يتّخذها تناولها.

 


مشاهدات 83
الكاتب خالد العزي
أضيف 2026/10/31 - 3:16 AM
آخر تحديث 2026/10/31 - 9:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1017 الشهر 63946 الكلي 16649115
الوقت الآن
السبت 2026/10/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير