الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
‏أيام زمان... حين كانت البساطة تصنع السعادة

← بواسطة azzaman

‏أيام زمان... حين كانت البساطة تصنع السعادة

إبراهيم المحجوب

 

‏حين نعود بذاكرتنا إلى أيام زمان، إلى طفولتنا وشبابنا في القرى والأرياف، نشعر بأننا نعود إلى زمن كانت فيه الحياة بسيطة، والقلوب صافية، والفرحة تولد من أشياء صغيرة لا تحتاج إلى مال كثير ولا إلى مظاهر الترف. كانت بيوتنا متواضعة، وطرقنا ترابية، وأحلامنا على قدر أيامنا، لكن السعادة كانت تسكن تفاصيل حياتنا، وكأنها جزء من هواء القرية ومائها وأرضها.

‏أتذكر أيام القرى في سبعينات القرن الماضي، حين كانت البيوت الطينية تجمع العائلة تحت سقف واحد، وتلتقي العيون قبل الكلمات، ويجلس الكبار في صدر المجلس، بينما يلتف الصغار حولهم يستمعون إلى الحكايات القديمة وأخبار الآباء والأجداد. كانت كلمة الكبير لها احترامها، وكانت نصيحته مدرسة نتعلم منها معنى الرجولة والوفاء وحسن التعامل مع الآخرين.

‏في تلك الأيام، لم تكن موائدنا عامرة بأصناف الطعام كما هي اليوم، لكننا كنا نشعر بالبركة في رغيف الخبز الحار، وطبق اللبن الذي تصنعه أيدينا، والتمر الذي نتقاسمه بمحبة. وكان إعداد الخبز في التنور مناسبة يومية تحمل رائحة البيوت ودفء الأمهات، فتجتمع الأسرة حول الطعام، لا لأن المائدة فاخرة، بل لأن القلوب كانت مجتمعة.

‏وكانت صباحات القرية تبدأ مع صياح الديكة، وصوت المواشي، وحركة الرجال والنساء وهم يباشرون أعمال الزراعة اوالبيت وتربية الأطفال. كنا نرى الفلاح يخرج إلى أرضه متوكلا على الله، يتابع زرعه وينتظر موسم الحصاد، وكانت فرحته حين يرى سنابل الحنطة والشعير تتمايل مع الريح لا تقل عن فرحة صاحب الثروة اليوم. فالأرض كانت مصدر الرزق والكرامة، والعمل فيها يعلم الصبر ويمنح الإنسان شعورا بالانتماء.

‏أما الأطفال، فكانت لهم دنيا أخرى من الفرح. لم تكن لدينا ألعاب إلكترونية ولا هواتف ذكية، لكن ساحات القرية كانت تتحول إلى ملاعب واسعة، نركض فيها ونلعب ونضحك حتى يغيب ضوء الشمس. كنا نصنع ألعابنا من أشياء بسيطة، ونبتكر من وقتنا فرحا لا ينتهي، ثم نعود إلى بيوتنا متعبين، لكن وجوهنا تفيض بالسعادة. لم نكن نعرف قيمة تلك اللحظات إلا بعدما كبرنا، وأدركنا أن بعض أجمل أيام العمر تمر بنا ونحن لا نعلم أنها ستصبح يوما ذكريات لا تعود.

‏ومن أجمل ما بقي في ذاكرتنا روح التكافل بين أهل القرية. فإذا مرض أحدهم، تسابق الجيران إلى زيارته ومساعدته، وإذا أقام أحدهم مناسبة، حضر الجميع وشاركوه فرحته، وإذا أصابت أسرة ضائقة، لم يتركوها وحدها في مواجهة ظروفها. وكان الجار يعرف حاجات جاره، ويسأل عنه إذا غاب، ويقف معه عند الشدائد من دون انتظار مقابل. وقد يكون أحدهم قليل المال، لكنه غني بالمروءة والكرم، يفتح بابه للضيف ويقدم ما لديه بطيب خاطر.

‏وأتذكر مجالس الرجال في أمسيات الصيف، حين يجلسون في ظل البيوت او مانسميه(( الچاسر)) يتبادلون الأخبار ويستمعون إلى أحاديث كبار السن عن أيامهم وتجاربهم. وكانت الخلافات تُحل في كثير من الأحيان بكلمة حكيمة من رجل كبير يحظى باحترام الجميع، قبل أن تتسع المشكلة أو تتحول إلى خصومة طويلة. أما النساء، فكن يتبادلن الزيارات والأحاديث، ويتعاون في إعداد الطعام للمناسبات، وتنتقل بينهن خبرات الحياة من جيل إلى جيل.

‏حتى أعيادنا كانت تحمل نكهة مختلفة. كنا ننتظر العيد بملابس جديدة بسيطة، ونفرح بالعيدية القليلة، ونتنقل بين بيوت الأقارب والجيران، وكأن القرية كلها عائلة واحدة. وفي الأعراس، كان الفرح يجمع الناس، وتتعالى الأهازيج والأغاني الشعبية، ويشارك الجميع في إحياء المناسبة، من دون أن تكون قيمة الفرح مرتبطة بحجم الصرفيات ومظاهر الحياة الاخرى..

‏لم تكن حياتنا القديمة خالية من التعب والفقر وشظف العيش، فقد كانت هناك مشقة العمل وقلة الإمكانات وصعوبة الحصول على كثير من الخدمات التي أصبحت اليوم متاحة. لكن ما كان يخفف تلك الصعوبات هو الترابط الأسري، والقناعة، والشعور بأن الإنسان ليس وحيدا، وأن وراءه أهلا وجيرانا وأصدقاء يقفون معه حين تضيق به الحياة...

‏أما اليوم، فقد تطورت وسائل الراحة، واتسعت البيوت، وتعددت وسائل الاتصال، وأصبح العالم أقرب إلينا من أي وقت مضى، لكننا في المقابل نرى أحيانا أسرا تجلس تحت سقف واحد، وكل فرد منشغل بهاتفه، وجيرانا يسكنون في بناية واحدة ولا يعرف بعضهم أسماء بعض، وأبناء يفتقدون المجالس التي كانت تجمعهم بآبائهم وأجدادهم. لقد تغيرت الحياة، وليس المطلوب أن نرفض التطور أو نعود إلى مشاق الماضي، بل أن نأخذ من الحاضر ما ينفعنا، ونحافظ من الماضي على ما كان جميلا من المحبة والاحترام والتعاون والقناعة...

‏إن أيام زمان لم تكن جميلة لأن كل شيء فيها كان سهلا، بل لأن العلاقات الإنسانية كانت تمنح الأشياء البسيطة معنى كبيرا. كان رغيف الخبز يجمعنا، وزيارة الجار تسعدنا، وكلمة طيبة تزيل همومنا، ومجلس صغير يمنحنا شعورا بالأمان. ولهذا، فإننا حين نشتاق إلى الماضي، لا نشتاق إلى الطين والطرق الترابية وقلة الإمكانات بقدر ما نشتاق إلى دفء الناس، وصفاء القلوب، وبراءة الطفولة، وتلك الروح التي جعلت من القرية بيتا كبيرا يسع الجميع....

‏رحم الله أيامنا الجميلة، ورحم من رحلوا من أهلنا وأحبابنا، وأطال الله أعمار من بقي منهم. ستظل ذكريات القرى والأرياف صفحة مضيئة في ذاكرة العمر، تذكرنا بأن السعادة ليست فيما نملك، بل فيما نشعر به، وبأن أجمل ما في الحياة قد يكون أبسطها، حين تكون القلوب عامرة بالمحبة والرضا.


مشاهدات 52
الكاتب إبراهيم المحجوب
أضيف 2026/10/28 - 2:12 PM
آخر تحديث 2026/10/29 - 5:03 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1875 الشهر 60225 الكلي 16645394
الوقت الآن
الخميس 2026/10/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير