خريطة مصرفية للخروج من فخ الدولار
نبيل رحيم العبادي
يبدو المشهد العراقي اليوم وكأنه معادلة مستحيلة ، واردات غذائية وطاقية ضخمة من جار معاقب، وسوق موازية تلتهم الدولار التهاماً، وسعر صرف يتأرجح تحت وطأة طلب لا يجد قناة رسمية يعبر منها. الحقيقة التي يجب أن نبدأ منها، بصراحة مصرفية لا تجميل فيها، هي أن المشكلة ليست في كمية الدولار المطروح، بل في أن جزءاً كبيراً من الطلب محبوس خارج المنظومة المصرفية لأنه ببساطة لا يستطيع المرور عبرها. فحين تكون التجارة مع إيران بحجم يقارب اثني عشر مليار دولار سنوياً، وكل دولار فيها ممنوع من الوصول إلى طهران، فإن السوق الموازية تصبح ليست استثناءً بل متنفساً وحيداً، وسعر الصرف فيها ليس انعكاساً لندرة العملة بقدر ما هو انعكاس لغياب البديل.
من هنا تبدأ الحلول الحقيقية، لا من خطابات التشديد والوعيد، بل من هندسة قنوات دفع بديلة تسمح للتجارة بالاستمرار دون أن يمر دولار واحد عبر النظام الأمريكي. وأقرب هذه القنوات وأكثرها قابلية للتطبيق الفوري هي توسيع آلية الدفع بالدينار عبر حسابات مقيدة، وهي آلية مجربة أصلاً في قطاع الطاقة، إذ يودع العراق ثمن الغاز والكهرباء بالدينار في حسابات لا تستطيع إيران سحبها نقداً، بل تستخدمها لشراء سلع وخدمات من داخل العراق أو لتسوية التزاماتها مع موردين آخرين. ما يحتاجه الأمر اليوم هو تحويل هذا الاستثناء المحدود إلى قناة عامة تشمل الواردات الغذائية والاستهلاكية، بحيث يفتح التاجر الإيراني حساباً بالدينار في مصرف عراقي، ويستخدم رصيده لشراء ما يحتاجه من السوق العراقية نفسها. بهذا لا نحتاج إلى دولار، ولا تخترق العقوبات، ولا يتوقف الغذاء.
حل سريع
وإلى جانب الدينار، تبرز المقايضة السلعية كحل سريع وواقعي، لا سيما وأن العراق طرح سابقاً سداد ثمن الغاز الإيراني بسلع غذائية أساسية، وهو طرح لم يجد بعد قبولاً أمريكياً، لكنه يبقى قابلاً للتطبيق عبر شركات تجارية خاصة تستبدل سلعاً عراقية غير خاضعة للعقوبات بواردات إيرانية، فتقل الحاجة إلى شراء الدولار من السوق الموازية لتمويل تلك الشحنات. وهنا تجربة إقليمية جديرة بالاحتذاء، إذ يعمل العراق على اتفاقية تعويضية مع تركمانستان يضخ بموجبها غازاً إلى شمال إيران ويحصل على كميات مماثلة من الغاز الإيراني دون أن يمر دولار واحد عبر المصارف، وهو نموذج قابل للتوسع ليشمل سلعاً أخرى.
أما على المدى الأبعد قليلاً، فإن اليوان الصيني يقدم بديلاً ناضجاً ومجرَّباً، فحوالي تسعين بالمئة من التجارة الصينية الإيرانية تتم باليوان عبر نظام المدفوعات الصيني العابر للحدود، وهو نظام يتجاوز سويفت الأمريكي، ويمكن للعراق أن يفتح حسابات باليوان في مصارف صينية أو مرتبطة بهذا النظام، يدفع منها ثمن وارداته الإيرانية، خصوصاً أن إيران تقبل اليوان لأنه قابل للاستخدام في شراء السلع الصينية. ولا يقل أهمية عن ذلك التحرك الإقليمي نحو منصات مقاصة آسيوية تضم اليوان والروبل والروبية، وهي منصات بحث العراق وإيران اعتمادها لتمويل تجارة القطاع الخاص، وتمثل مساراً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة الإقليمية.
لكن الأمانة المصرفية تقتضي القول إن هذه البدائل وحدها لن تكفي ما لم نعالج جذر المشكلة، فأزمة سعر الصرف ليست أزمة عرض دولار فقط، بل أزمة طلب غير منضبط ورقابة مفككة على المنافذ وتهريب يلتهم العملة الصعبة.
لذلك فإن توحيد سعر الصرف تدريجياً، والرقابة على الواردات عالية الاستهلاك للدولار، وربط البيانات الجمركية بالتحويلات المالية عبر منصة أسيوكادا، كلها خطوات لا تقل أهمية عن بناء قنوات الدفع البديلة، بل هي شرط نجاحها.
الخلاصة التي يدركها كل خبير مصرفي متمرس هي أن العراق لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى إرادة سياسية تحول الأفكار المطروحة إلى إجراءات، فالحل الأسرع موجود ويتمثل في توسيع الدفع بالدينار والمقايضة السلعية، والحل الأكثر استدامة يكمن في الانضمام الفعلي إلى قنوات الدفع باليوان والمنصات الإقليمية، أما الحل الجذري فيبقى في ضبط الطلب على الدولار لا في زيادة المعروض منه. وحين تتحقق هذه الثلاثية معاً، لن يتوقف الغذاء، ولن تُخترق العقوبات، ولن يبقى السوق الموازية متنفساً وحيداً، بل سيعود سعر الصرف إلى منطق الاقتصاد لا إلى منطق الأزمة.