يا لفرح يشبه البكاء.. فيصل لعيبي بعد نصف قرن
نبيل عبد الأمير الربيعي
كان المنفى كله يخفق كقلب غريق مع الفنان التشكيلي فيصل لعيبي، وهو يشد خطاه نحو العراق، حاملاً نصف حلم، وحنيناً كاملاً، ومواطنةً مجروحة. لم يكن يحمل حقيبة سفر فحسب، بل كان يحمل نصف قرن من الغياب، وعمراً كاملاً من الأسئلة، وذاكرةً ظلت تنزف كلما مر طيف العراق أمام عينيه.
حين علمتُ بمشاركته في مهرجان بابل الدولي، وتكريمه فيه، وإمكان إيصال أعماله الفنية إلى العراق، تسللتُ إلى أجواء المهرجان بصحبة الدكتور نصير الحسيني. كان فيصل جالساً في الصفوف الأولى، وما إن وقعت عيناي عليه حتى اتجهت نحوه، وتعانقنا عناقاً اختلطت فيه فرحة اللقاء بمرارة السنوات التي تفصل بيننا. كان ذلك أول لقاء مباشر يجمعني به، بعد أن تابعت منجزه الفني عن بعد، وظللت أراه في لوحاته، وأتأمل ما تحمله من ملامح العراق ووجع الإنسان، من دون أن تجمعنا المصادفة وجهاً لوجه.
في تلك اللحظة، لم أستطع أن أمنع نفسي من التساؤل: كيف يمكن لوطن أن يستقبل فناناً أفنى عمره في حمل هموم شعبه وملامح وطنه إلى العالم، ثم يطلب منه، بطريقة أو بأخرى، أن يتجاوز مرارة الغياب، وينسى أن العالم نفسه احتضنه حين ضاقت به أبواب بلاده؟
لم يكن فيصل غائباً عن العراق كما يغيب المسافر عن مدينته. كان حاضراً في لوحاته، وفي ألوانه، وفي وجوه الناس الذين رسمهم، وفي تفاصيل الحياة العراقية التي ظلت تسكن فرشاته مهما ابتعدت المسافات. حمل العراق معه إلى المنافي، وحين رسم الإنسان، رسم شيئاً من وجع العراقيين وكرامتهم وانكساراتهم. كان وطنه يتسع في لوحاته بقدر ما تضيق به الحياة في داخله.
خطواته الاولى
فيصل مهما ابتعد عن العراق، كان كماً من العمر ظل هناك، خلف البحار والحدود، في المدن التي احتضنت غربته، وفي الأزقة التي ترك فيها خطواته الأولى، وفي الوجوه التي غابت قبل أن تكتمل حكايات اللقاء.
يا لفرح يشبه البكاء؛ أن ترى أمامك فناناً طالما رافقك من بعيد، ثم تكتشف أن فرحة المصافحة لا تستطيع وحدها أن تمحو وجع نصف قرن من الغياب.
يا فيصل… يا فيصل… إن عدت إلى العراق، العمر لا يعود، والسنوات التي انقضت لا تستجيب لنداء الحنين. ما أقسى أن يكون الفنان سفيراً لوطنه في العالم، فيما يبقى غريباً عن مؤسساته، بعيداً عن شوارعه، محروماً من دفء المكان الذي صنع ذاكرته الأولى!
الفنانون الذين غادروا العراق ليسوا جميعاً حكايات نجاح في المنافي؛ إنهم أيضاً شهادات على ما خسره الوطن، وعلى ما كان يمكن أن يمنحه أبناؤه لو وجدوا فيه مساحة للحياة والعمل والحلم. إن كل مبدع اضطر إلى الرحيل يحمل معه جزءاً من ذاكرة البلاد، وكل لقاء متأخر يذكرنا بأن الأوطان لا تقاس بما تملكه من أرض وثروات فقط، بل بما تستطيع أن تمنحه للإنسان كي يبقى.
مع ذلك، لا أريد لهذه اللحظة أن تكون مرثية خالصة. ففي حضور فيصل ما يشبه العناد الجميل؛ كأن الفن، رغم كل ما حدث، يرفض أن يسلم بأن المسافات أقوى من الذاكرة، وأن المنافي تستطيع أن تنتزع الإنسان من جذوره. يأتي فيصل حاملاً ما تبقى من الحلم، ليقول لنا، بصمته وألوانه، إن الإنسان يستطيع أن يحب وطنه حتى وهو يعاتبه، وأن يظل وفياً لملامحه الأولى حتى حين يخذله الزمن.
لكننا لا نملك حق مطالبة العائدين بأن ينسوا. لا نملك أن نطلب من فيصل أن يطوي خمسين عاماً في ليلة استقبال، أو أن يختصر وجع الغياب في ابتسامة أمام الكاميرات. من حقه أن يفرح، ومن حقه أن يبكي، ومن حقه أن ينظر إلى العراق بعين المحب الذي يعرف جماله، وعين الغريب الذي يعرف كم كان ممكناً أن يكون أجمل.
نستقبلك، ونخجل من كل ما جعل حضورك خبراً، فيما كان ينبغي أن يكون اللقاء حقاً طبيعياً لا يحتاج إلى احتفالٍ استثنائي. فيصل في العراق، في بابل وبغداد، لكن العمر ليس هنا. فتعود الخطى إلى الأرض، ولا تعود الخطوات التي سبقتها. يحضر الجسد إلى المكان، وتبقى الروح معلقةً بين بابين؛ باب تركه مفتوحاً وراءه، وباب ظل ينتظره أمامه.
فهل يستطيع العراق أن يتعلم من هذه اللحظة كيف يحتفظ بأبنائه، قبل أن يصبحوا أسماء في كتب التاريخ، وصوراً في أرشيف الذاكرة، وأحلاماً مؤجّلةً على خرائط المنافي؟ نحن لا نعرف أَنفرح لأنه بيننا، أم نبكي لأنه اضطر إلى الانتظار كل هذه السنوات.
يا لفرح يشبه البكاء، ويا لوطن يحتاج إلى عمر آخر كي يعتذر لأبنائه.