الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
اللغة و السلطة في رؤية نعوم تشومسكي


اللغة و السلطة في رؤية نعوم تشومسكي

بشار ساجت لطيف

 

ليست اللغة مجرد وسيلة للتواصل ، ولا أداة تعرض أفكارنا للآخرين.  اللغة أداة للصراع على المعنى، ومن يملك حق تسمية الأشياء يملك القدرة على توجيه الوعي بها.  ولهذا اكتسبت أفكار نعوم تشومسكي أهمية خاصة لأنه ينقل السؤال من:  ماذا نقول؟ إلى سؤال أكثر خطورة:  من يملك القدرة على تحديد ما نقول .

يُعرف تشومسكي بوصفه عالم لغة أسهم بصورة مائزة في تطوير النظرية التوليدية، مع أن اشتغاله الفكري تجاوز حدود اللسانيات إلى نقد الأطر السياسية والإعلامية التي تسهم في تشكلات الوعي العام.  وفي هذا المجال تتعاضد اللغة و السلطة؛ لأن السلطة لا تكتفي بالقوة المادية وحدها، وإنما تعمل كذلك من خلال صناعة الرواية واختيار المفردة وتحديد ما يدخل هذا المجال وما يخرج منه.

إن أخطر أشكال السيطرة في المجتمعات الحديثة ليست تلك التي تجبر الإنسان على الصمت، وإنما تلك التي تجعله يتكلم داخل حدود مرسومة دون أن يلتفت لتلك الحدود . وهنا تبرز قيمة تحليل تشومسكي للإعلام والدعاية.  ففي كتابه المشترك مع إدوارد هيرمان، (صناعة الرضا) يقدم ما عرف بالنموذج الدعائي لتحليل عمل وسائل الإعلام، موضحا أن الأخبار لا تصل إلى الجمهور دائما بوصفها انعكاسا محايدا للواقع، بل تمر عبر عمليات اختيار وانتقاء وتأطير وتصفية للمعلومات. فتصبح الكلمة السياسية أكثر من مجرد كلمة. فحين تسمى الحرب (عملية عسكرية)  ويسمى القتل (أضرارا جانبية) ويسمى الاحتجاج (اضطرابا)  فإن اللغة لا تصف الواقع فقط، بل تعيد ترتيبه داخل الوعي.  الكلمة هنا لا تقف خارج الحدث إنها تدخل في صناعته.   فمفهوم (صناعة الرضا) عند تشومسكي وهيرمان، يؤكد ان السلطة في المجتمع الديمقراطي لا تحتاج إلى إجبار الناس على تصديق رواية معينة إذ يكفي أن تهيئ البيئة الإعلامية والثقافية التي تجعل الرواية المقصودة  تبدو طبيعية ومقبولة، فيما تبدو الروايات الأخرى متطرفة أو غير واقعية أو غير جديرة بالاهتمام.  وقد أوضح تشومسكي أن وسائل الإعلام تستطيع التأثير في الجمهور من خلال اختيار الموضوعات وطريقة عرضها  وتوزيع الاهتمام عليها وتحديد الإطار الذي يناقش الحدث من خلاله.

إن السلطة لا تتحكم دائما في الإجابة؛ قد تتحكم في السؤال نفسه. فإذا كان المجتمع يناقش يوميا من المخطئ في الأزمة؟ ولا يناقش من حدد إطار الأزمة؟ وإذا كان يسأل:  كيف نعالج المشكلة؟ ولا يسأل:  من صاغ تعريف المشكلة أصلا؟ فإن جزءا من المعركة قد حسم قبل بدء النقاش. وهذه إحدى أخطر وظائف اللغة حين تدخل في المجال السياسي؛ إذ تستطيع أن تنقل الصراع من مستوى الحقيقة إلى مستوى التسمية. ومن ينجح في فرض التسمية قد ينجح في فرض زاوية النظر. ولذلك لا تبدو الدعاية عند تشومسكي مجرد أكاذيب صريحة تبث على الناس، فقد تمارس الحذف و الإضافة.  ما لا يقال قد يكون أحيانا أكثر أهمية مما يقال.  والموضوع الذي لا يحظى بالاهتمام الإعلامي قد يفقد وجوده في الوعي العام، حتى لو كان تأثيره في حياة الناس أكبر من الموضوعات التي تتصدر العناوين.

وهذه هو مفهوم (صناعة الرضا) فالسلطة الحديثة وفق هذا التصور، لا تحتاج إلى أن تقول للناس:  فكروا هكذا ، بقدر ما  تحدد لهم المساحة التي يتحركون داخلها، ثم تترك لهم حرية الاختيار داخلها. و يضعنا هذا أمام  سؤالٍ مهما جدا:  هل نعتبر الإنسان حرا إذا اختار من بدائل وضعت له  مسبقا؟

إن تشومسكي لا ينظر إلى الجمهور على أنه مسلوب التفكير  تماما . فالنموذج الدعائي عنده يبتعد عن كونه نظرية تقول إن الإعلام ينجح دائما في السيطرة على الناس. بل يؤكد أن أنظمة الدعاية ليست مطلقة القدرة، وأن الجمهور قادر على المقاومة.

وهنا تكون قيمة اللغة، فإذا كانت الكلمة قادرة على صناعة الخوف، فهي كذلك قادرة على صناعة الوعي.  وإذا كانت اللغة تستطيع أن تسلب حق الضحية خلف مصطلح ما ، فإنها تستطيع أن تعيد له حقه حين تسمي الأشياء بأسمائها.  وإذا كانت السلطة قادرة على استخدام اللغة لتبرير أفعالها، فإن المثقف والصحفي والمعلم والكاتب يستطيعون استخدام اللغة لكشف ما تحاول السلطة إخفاءه.

وبهذا تصبح مقاومة الهيمنة اللغوية فعلا معرفيا قبل أن تكون فعلا سياسيا. أن تسأل عن المصطلح، وعن مصدره، وعمن اختاره، وعن المصلحة التي يخدمها، وعن المفردات التي غابت عن الخطاب، يعني أن تستعيد جزءا من استقلال العقل.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للغة أن تتحول من أداة للكشف إلى أداة للتغطية؛ أن يصبح اللفظ ستارا للمعنى، وأن تستخدم البلاغة لتجميل القبح، وأن تتحول المفردات إلى أقنعة سياسية.

فالسلطة قد تمتلك الاعلام  وتتمكن  من توجيهه ، وقد تمتلك القدرة على تكرار العبارة آلاف المرات؛ لكنها لا تستطيع في النهاية أن تضمن أثرها في الإنسان . وهنا تبدأ الحرية. تبدأ حين لا نكتفي بسماع الكلمة، بل نسأل: من قالها؟ ولماذا قالها؟ ولمن قالها؟ وما الذي أراد أن يجعلنا نراه من خلالها؟ والأهم:  ما الذي أراد أن يمنعنا من رؤيته؟

في عالم تشومسكي ، ليست اللغة مرآة للسلطة فحسب، إنها إحدى الساحات التي تتصارع فيها السلطة والحرية على تشكيل الوعي.  ومن يفقد حقه في تسمية الأشياء، يفقد تدريجيا حقه في تفسيرها. وحين يفقد الإنسان حقه في تفسير الواقع، يصبح الواقع قابلا لأن يفسر له من الآخرين. لذلك فإن الدفاع عن اللغة الحرة ليس ترفا ثقافيا، وإنما دفاع عن استقلال العقل. فالكلمة التي تسمي الحقيقة تحرر، والكلمة التي تزيف الحقيقة تخضع، وبين الكلمتين يتحدد جزء كبير من مصير الإنسان.

 


مشاهدات 27
الكاتب بشار ساجت لطيف
أضيف 2026/10/17 - 2:35 PM
آخر تحديث 2026/10/18 - 12:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 78 الشهر 33438 الكلي 16618607
الوقت الآن
الأحد 2026/10/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير