كلام أبيض
الأخضر الفتّان الذي حيّر العراقيين
جليل وادي
أحاول، قدر استطاعتي، تحاشي الحديث في السياسة في زاويتي هذه؛ فقد أخذت السياسة من كلامنا أكداسا مكدّسة، حتى غدت مجالات أخرى تستحق الاهتمام منسيّة. والناس ملّت هذا الحديث وما عادت تستسيغه، فتكتفي غالبا بقراءة العناوين أو سطور قليلة من مقدمة المقالات السياسية، ثم تبحث عن قنوات تريح النفس وتبدّد القلق، ولو إلى حين، من حال العراق وما يكابده من ضيم ومرار. يضاف الى ما قاسيناه قبل الاحتلال من مآس، فما إن تنتهي أزمة حتى نقع في أخرى أشدّ و(أنكس)، كما يقول شاعرنا الحلّي المبدع موفق محمد، رحمه الله تعالى.
إن نفور الناس من السياسة، رغم تأثيرها الحاسم في حياتهم، يعكس بلوغهم مرحلة من اليأس، بعدما أدركوا أن ما يُقال عن أحوالهم يذهب أدراج الرياح؛ فالحكومة باقية، والصراعات مستمرة، والنواب يتبخترون ببدلاتهم وأربطة عنقهم البراقة، فيما ترتفع الأسعار مع ارتفاع الدولار، لكنها لا تنخفض بانخفاضه. وكنا نظن أن الإعلام يساعد صنّاع القرار في اختيار البدائل المناسبة للمشكلات الراهنة والمحتملة، وينبّههم إلى جوانب ربما غفلوا عنها. لكن الإعلام، على اختلاف وسائله وتوجهاته، لم يستطع إحداث التأثير المأمول؛ فبين فضائيات تحمل رسالة نبيلة، وأخرى تصطاد في الماء العكر، ومن يبررون للأقوى أو يلمّعون الأخطاء لتضليل الرأي العام، تتواصل الأزمات دون أن نجد أذنًا صاغية لما يُقال. وإذا كانت الناس قد ملّت السياسة، وأيقنت أن الكلام والتظاهرات لا يحققان المراد، وأن صيحاتها كالصراخ في البرية بلا صدى، فلماذا تهدر وقتها في قراءة المقالات ومشاهدة البرامج التي تبدو أحيانًا وكأنها تملأ فراغ البث لا أكثر؟ لذلك أتحاشى الكتابة في السياسة، لاقتناعي بأن ما أكتبه لن يحظى باهتمام كبير، باستثناء بعض الإعجابات والتعليقات المجاملة بعد نشر ما أكتب في صفحتي الشخصية على الفيس بوك. لكن بعض الأحداث تفرض نفسها علينا، وتضعنا أمام مسؤولية أخلاقية تدفعنا إلى الكتابة، كيلا نسكت عن الظلم أو نتردد في مواجهة تخبط من أسموا أنفسهم سياسيين، ممن يعرضون حياة الناس ومستقبلهم للمجهول.
ولعل أزمة ارتفاع سعر الدولار خير دليل. تأملوا التناقضات، لقد تراوح سعره في السوق الموازية بين (118 و125) ألف دينار لكل مئة دولار حتى عام 2020، حين قررت حكومة مصطفى الكاظمي رفع سعر الصرف إلى (145) ألف دينار. ولم يحلّ القرار المشكلات التي اتُّخذ من أجلها، لكن الأسواق تكيفت معه تدريجيًا. ثم رأت حكومة السوداني أن تخفيض السعر إلى (132) ألف دينار كفيل بإصلاح الاقتصاد وحلّ مشكلاته المزمنة وتحقيق الاستقرار، فارتبكت الأسواق مجددًا، وسارع المسؤولون والمستشارون إلى تبرير القرار باعتباره إصلاحًا لمصلحة الناس، محذرين من عواقب عدم اتخاذه. واليوم، اتخذت حكومة علي الزيدي إجراءً مغايرا، فحددت سعر الدولار ب (152) ألف دينار لكل مئة دولار، فيما تجاوز سعره في السوق الموازية (165) ألف دينار. تغير السعر، لكن التبريرات بقيت نفسها، مع وصف الإجراء بأنه احترازي. غير أن هذا الاحتراز قد يدفع الفئات القريبة من خط الفقر إلى ما دونه، ويزيد معاناة المتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية.
وأمام هذه التسعيرات المتناقضة، يبرز السؤال: هل يتحقق إصلاح الاقتصاد برفع سعر الدولار أم بخفضه؟ ولماذا يستمر هذا التخبط؟ إن المقارنة بالأردن، حيث ظل سعر الدولار عند نحو (71) دينارًا أردنيًا لكل مئة دولار، تثير تساؤلات بشأن حاجتنا إلى متخصصين أكفاء يرسمون سياسة نقدية ومالية واضحة ومستقرة.
لست مؤيدًا لهذه القرارات ولا متذمرًا منها، بل أتساءل عن أسباب تناقضها. كما لا أريد أن أُصنّف ضمن المدافعين عن المضاربين الذين شنّوا حملة إعلامية شعواء على رئيس الوزراء علي الزيدي، الذي أقنعتني طروحاته وأعجبتني ثقته بنفسه اقتصاديًا، وإن كان الحكم الموضوعي يظل مرهونًا بما ستكشف عنه الأشهر المقبلة.
وأثناء متابعتي أزمة الدولار، لفتني اقتراح أستاذة متخصصة في الاقتصاد يدعو إلى إلغاء الدينار والتعامل بالدولار، ما دامت تجارتنا ومبيعات نفطنا بالدولار، وما دامت القوة الشرائية لدينارنا مرتبطة به. وتُعرف هذه العملية بـ (الدولرة)، قد يبدو الاقتراح سهلًا، لكنه يثير أسئلة معقدة بشأن استقلال سياستنا النقدية، وقدرة الحكومة على إدارة سياستها المالية، وانعكاساته على أصحاب الدخول المحدودة. ولست متخصصًا اقتصاديًا لأحكم بمدى نجاحه، أو لأجزم بأن الأخضر الفتّان الذي حيّر العراقيين سيخلّصنا من أزمتنا المتكررة : صعد الدولار، نزل الدولار.
jwhj1963@yahoo.com