الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الإعلام رسالة نبيلة ومسؤولية

← بواسطة azzaman

الإعلام رسالة نبيلة ومسؤولية

ضرغام القاضي

 

الإعلام ليس مجرد مهنة تقوم على نقل الأخبار والأحداث، بل هو رسالة نبيلة ومسؤولية كبيرة تجاه المجتمع. فالكلمة الإعلامية قادرة على أن تنقل معاناة مواطن، وتكشف مشكلة، وتسلط الضوء على قضية، وتفتح بابًا للحوار، كما يمكن أن تسهم في نشر الوعي وتعزيز ثقافة المعرفة واحترام القانون.

ومن هنا، فإن الإعلام الحقيقي لا يُقاس بعدد الأخبار التي ينشرها أو بعدد المشاهدات التي يحققها، وإنما بمدى تأثيره الإيجابي في المجتمع، وقدرته على الوصول إلى الحقيقة وتقديم المعلومات بصورة واضحة ومتوازنة. فالإعلامي الذي يدرك قيمة رسالته يعرف أن وراء كل خبر أشخاصًا وحقوقًا ومصالح، وأن الكلمة التي يكتبها أو ينطق بها قد تترك أثرًا كبيرًا في حياة الآخرين.

وقد كفل الدستور العراقي هذه الحرية، إذ نصت المادة (38) من دستور جمهورية العراق لعام 2005 على كفالة حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل، وحرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر، بما لا يتعارض مع القانون. ويشكل هذا النص أساسًا دستوريًا مهمًا لحرية الإعلام والتعبير، ويؤكد أهمية وجود إعلام قادر على ممارسة دوره في المجتمع.

لكن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية. فحرية التعبير لا تعني نشر الشائعات أو المعلومات غير الموثقة، ولا تعني الإساءة إلى الآخرين أو تحويل المنبر الإعلامي إلى وسيلة للتشهير. وإنما تعني أن يستطيع الإعلامي طرح الأسئلة، ونقل الوقائع، ومناقشة القضايا العامة، وانتقاد أوجه الخلل، مستندًا إلى المعلومات والحقائق وضمن الإطار القانوني.

ومن أهم أسس العمل الإعلامي الدقة والتحقق. فالخبر العاجل قد يكون مهمًا، لكن سرعة النشر لا ينبغي أن تكون على حساب الحقيقة. وفي زمن تنتشر فيه المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال ثوانٍ، أصبح التحقق من المصدر والتاريخ والسياق أمرًا لا يمكن تجاهله. وقد يكون تصحيح معلومة خاطئة بعد انتشارها أصعب بكثير من التأكد منها قبل نشرها.

كما أن الفصل بين الخبر والرأي يمثل قاعدة أساسية في العمل الصحفي. فالخبر يجب أن يستند إلى معلومات ومصادر يمكن التحقق منها، بينما يمثل الرأي وجهة نظر صاحبه. وعندما تختلط الحقائق بالآراء دون توضيح، قد يفقد المتلقي القدرة على التمييز بين ما هو معلومة وما هو موقف أو تحليل.

حقيقة مثبتة

وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الخبر باتهام شخص أو مؤسسة. فالمهنية تقتضي عدم إصدار الأحكام المسبقة، والاستماع إلى الأطراف المعنية، ومنح حق الرد، والتمييز بين الاتهام والحقيقة المثبتة. فالإعلام لا ينبغي أن يكون محكمة تصدر الأحكام، بل مساحة لنقل المعلومات وطرح الأسئلة وإتاحة المجال أمام الجهات المختلفة لتقديم مواقفها.

كما أن اختيار العنوان جزء من المسؤولية الإعلامية. فالعنوان المبالغ فيه أو المضلل قد يجذب الانتباه، لكنه قد يعطي القارئ انطباعًا غير صحيح عن مضمون الخبر. لذلك يجب أن يكون العنوان معبرًا عن المحتوى، بعيدًا عن التضليل والإثارة غير الضرورية، لأن ثقة الجمهور تُبنى بالتراكم ولا يمكن تعويضها بسهولة بعد فقدانها.

والإعلام المهني لا يبحث فقط عن الأخبار التي تحقق الانتشار، بل يهتم أيضًا بالقضايا التي تمس حياة المواطنين. فالتعليم، والصحة، والبطالة، والخدمات، والبيئة، والاستثمار، والبنية التحتية، وحقوق المواطنين، ومشكلات الشباب، كلها موضوعات تستحق التغطية والمتابعة، حتى لو لم تكن دائمًا الأكثر جذبًا للمشاهدات.

وهنا يظهر الدور الحقيقي للصحافة في المجتمع؛ فهي تستطيع أن تكون حلقة وصل بين المواطن والمسؤول والمؤسسة. فعندما يواجه المواطن مشكلة في خدمة أو مشروع أو مؤسسة، يستطيع الإعلام المهني أن ينقل القضية، ويطلب التوضيح من الجهة المعنية، ويتابع الموضوع، ويضع المعلومات أمام الجمهور دون إصدار أحكام مسبقة.

ولا تقتصر مسؤولية الإعلام على كشف الأخطاء، بل تشمل أيضًا تسليط الضوء على المبادرات الناجحة والقصص الإنسانية والمشاريع التي تخدم المجتمع. فالإعلام المتوازن لا يعني تجاهل المشكلات، كما لا يعني تجاهل الجوانب الإيجابية، وإنما يعني تقديم صورة أكثر اكتمالًا عن الواقع.

وفي العراق، يحتاج المجتمع إلى إعلام يحترم التنوع الاجتماعي والثقافي، ويبتعد عن خطاب الكراهية والتحريض، ويمنح مساحة للرأي والرأي الآخر. فاختلاف الآراء أمر طبيعي في أي مجتمع، لكن طريقة إدارة هذا الاختلاف هي التي تحدد ما إذا كان الإعلام سيسهم في الحوار أم في زيادة الانقسام.

ومع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، تغيرت طبيعة العمل الإعلامي بصورة كبيرة. فلم يعد الصحفي هو المصدر الوحيد للمعلومة، وأصبح المواطن قادرًا على تصوير الحدث ونشره خلال لحظات. وهذا التطور فتح فرصًا كبيرة للوصول إلى المعلومات، لكنه في الوقت نفسه جعل الأخبار الكاذبة والمقاطع المجتزأة والمعلومات المضللة أكثر سرعة في الانتشار. ولهذا أصبح التحقق الرقمي مهارة أساسية للإعلامي الحديث. فالصحفي يحتاج إلى معرفة مصدر الصورة أو الفيديو، وتاريخ نشره، ومكان التقاطه، وما إذا كان قديمًا أو مستخدمًا خارج سياقه. كما يحتاج إلى مقارنة المعلومات مع مصادر أخرى قبل اعتمادها ونشرها.

ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، ظهرت تحديات جديدة أمام وسائل الإعلام. فأصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية يصعب أحيانًا تمييزها عن المحتوى الحقيقي. وهذا التطور يجعل مسؤولية الصحفي أكبر، لأن التكنولوجيا يمكن أن تساعد في العمل الإعلامي، لكنها لا تلغي الحاجة إلى العقل البشري والتحقق المهني.

وفي المقابل، يمكن للإعلام أن يستفيد من الذكاء الاصطناعي في مجالات عديدة، مثل تنظيم البيانات، والمساعدة في البحث، وتحليل كميات كبيرة من المعلومات، وتسهيل بعض المهام التحريرية.

لكن استخدام هذه الأدوات يجب أن يكون مصحوبًا بالمراجعة البشرية والتأكد من صحة المعلومات، لأن الأداة التقنية لا تتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن المادة المنشورة؛ المسؤولية تبقى على المؤسسة أو الشخص الذي ينشرها.

ومن هنا تبرز أهمية التدريب المستمر للإعلاميين، خصوصًا الشباب منهم. فالإعلام الحديث يحتاج إلى مهارات متعددة تشمل الكتابة والتحرير والتصوير والإنتاج الرقمي والتحقق من المعلومات وفهم أدوات التواصل الاجتماعي، إلى جانب معرفة القوانين وأخلاقيات المهنة.

كما أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية كبيرة في توفير بيئة مهنية تحترم الصحفي وتمنحه مساحة للعمل، وتشجعه على البحث والتحقق، وتضع معايير واضحة للتعامل مع الأخبار والمصادر وتصحيح الأخطاء. فالصحفي مهما كانت خبرته يحتاج إلى مؤسسة تساعده على تطوير أدواته والالتزام بالمعايير المهنية.

ومن الضروري أيضًا أن يدرك الجمهور دوره في المشهد الإعلامي. فالمتلقي ليس مجرد مستهلك للأخبار، بل أصبح شريكًا في نشرها. ولذلك فإن مشاركة خبر أو صورة أو مقطع دون التحقق منه قد تساهم في انتشار معلومة خاطئة. ومن هنا تأتي أهمية التربية الإعلامية التي تساعد الناس على التمييز بين المصادر الموثوقة والمحتوى المضلل.

إن بناء الثقة بين الإعلام والجمهور يحتاج إلى وقت طويل، لكنه قد يتأثر بسرعة بخبر غير دقيق أو معلومة غير موثقة. ولهذا فإن الاعتراف بالخطأ وتصحيحه بصورة واضحة لا يقل أهمية عن محاولة تجنبه. فالمؤسسة الإعلامية التي تعترف بخطئها وتصححه أمام الجمهور تؤكد أن الحقيقة أهم من المكابرة.

والإعلام الحر والمسؤول يمكن أن يكون شريكًا مهمًا في بناء المجتمع. فهو يستطيع أن يساهم في كشف مواطن الخلل، وطرح الأسئلة، ومتابعة القضايا العامة، وتعزيز الحوار، وإيصال صوت الفئات التي قد لا تجد وسيلة أخرى للتعبير عن مشكلاتها.

لكن قوة الإعلام لا ينبغي أن تتحول إلى سلطة بلا ضوابط. فكلما زادت قدرة الإعلام على التأثير، زادت الحاجة إلى الالتزام بالمعايير المهنية والقانونية والأخلاقية. فالحرية التي لا ترافقها مسؤولية قد تتحول إلى فوضى، والمسؤولية التي لا ترافقها حرية قد تجعل الإعلام عاجزًا عن أداء دوره.

إن الصحفي ليس خصمًا للمجتمع أو للمؤسسات، كما أنه ليس مجرد ناقل لما يقال. إنه مهني يبحث عن المعلومات، ويتحقق منها، ويطرح الأسئلة، وينقل الوقائع، ويمنح الأطراف المعنية حق الرد، ويضع المصلحة العامة في مقدمة أولوياته المهنية.

وفي زمن أصبحت فيه المشاهدة والانتشار معيارًا لدى البعض، يجب ألا تتحول الإثارة إلى بديل عن الحقيقة. فقد يحقق عنوان مثير آلاف المشاهدات، لكن ثقة الجمهور لا تُبنى بالضجة، وإنما بالدقة والاستمرارية والصدق.

إن المؤسسة الإعلامية التي تحترم عقل المتلقي وتتحقق من معلوماتها وتحترم حق الرد وتفصل بين الخبر والرأي، تستطيع أن تبني ثقة حقيقية مع جمهورها. وهذه الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي وسيلة إعلامية، لأنها تجعل الجمهور يعود إليها بحثًا عن المعلومة وليس فقط بحثًا عن الإثارة.

وفي النهاية، فإن الكلمة أمانة، وحرية التعبير حق، والإعلام مسؤولية. وقد كفل الدستور العراقي حرية الصحافة والإعلام والتعبير، لكن ممارسة هذه الحرية تتطلب وعيًا والتزامًا بالقانون وأخلاقيات المهنة.

فالإعلام رسالة نبيلة عندما يكون صادقًا، وقويًا عندما يستند إلى الحقيقة، ومؤثرًا عندما يحترم عقل المواطن، ومسؤولًا عندما يدرك أن وراء كل كلمة إنسانًا ومجتمعًا وحقوقًا يجب احترامها.

ولهذا، فإن الإعلام الذي نحتاجه ليس إعلامًا يرفع صوته فقط، بل إعلامًا يسمع صوت الناس، يبحث عن الحقيقة، يتحقق قبل أن ينشر، ينتقد عندما يكون النقد ضروريًا، وينصف عندما يكون الإنصاف واجبًا، ويعطي لكل قضية حقها من البحث والمتابعة.

تلك هي الرسالة الحقيقية للإعلام: حرية مسؤولة، وكلمة صادقة، ومهنية تحترم القانون، ورسالة هدفها الأول خدمة الإنسان والمجتمع.

 

 

 


مشاهدات 12
الكاتب ضرغام القاضي
أضيف 2026/09/29 - 3:42 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 11:34 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1715 الشهر 50825 الكلي 16583345
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير