الهجرة إلى سؤال
زيد علي الشمري
«تعلمت الكثير وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى.»
يا لها من جملة!
جملة قصيرة تركها الطيب صالح في روايته «موسم الهجرة إلى الشمال»، لكنها بقيت تلاحقني بعد أن أغلقت الكتاب. فبعض الجمل لا تنتهي عند آخر صفحة، بل تبدأ هناك.
بدأت رحلتي مع الرواية كرحلة نهر دجلة بين مدن العراق؛ يمضي بهدوء، ثم تكتشف أن تحت ذلك الهدوء تيارات لا تراها العين.
ظهر مصطفى سعيد أمامي كأنه رجل خرج من مكان بعيد، يحمل معه أكثر مما يقول، ويخفي خلف صمته أسئلة أكثر مما يحمل من إجابات. وكلما ظننت أنني فهمته، اكتشفت أنني لم أرَ إلا جزءًا صغيرًا منه.
لكن الرواية ليست قصة مصطفى سعيد وحده، بل قصة الإنسان عندما يغادر المكان الذي صنعه، ويدخل عالمًا جديدًا يضطره إلى إعادة اكتشاف نفسه.
في الريف والصحراء، حيث تبدو الحياة أكثر بساطة، قد يبدو العالم بلون واحد؛ عادات راسخة، وأفكار موروثة، وحقيقة تبدو مكتملة لا تحتاج إلى سؤال.
وهكذا يعيش ملايين البشر بعين واحدة ولسان واحد، فيقسمون العالم إلى:
أسود أو أبيض.
شرق أو غرب.
نحن أو هم.
ثم تأتي الهجرة.
ليست هجرة بالجسد فقط، بل هجرة في العقل. يدخل الإنسان مدينة جديدة، يلتقي أفكارًا لم يعرفها، ووجوهًا مختلفة، وأسئلة لم يكن يعرف أنه قادر على طرحها.
وهنا يكتشف أن المشكلة ليست دائمًا في المكان الذي جاء منه، ولا في المكان الذي ذهب إليه، بل أحيانًا في الإنسان نفسه.
فالمدينة لا تمنحه الحرية فقط، بل تمنحه شيئًا أخطر: الاختيار.
والاختيار يفتح باب السؤال.
ومن أكثر مشاهد الرواية التي بقيت في ذاكرتي ذلك الاجتماع الذي يضم أكثر من عشرين وزيرًا للمعارف في إحدى الدول الإفريقية لمناقشة التعليم.
قاعة فخمة كلفت ملايين الدولارات، صُممت تفاصيل منها في لندن، وزُينت بالرخام الإيطالي، والوزراء بملابسهم الأنيقة وأحجارهم الثمينة.
كل شيء يقول: الحضارة هنا.
لكن خارج القاعة مدارس من الطين، وأطفال يعانون الجوع والأنيميا.
فأي تعليم هذا الذي يناقش مستقبل الطفل داخل قاعة لا تشبه حياته؟
هنا يتجاوز السؤال إفريقيا والشرق والغرب، ليصل إلى الإنسان نفسه:
ما المسافة بين ما نقوله وما نفعله؟
وربما لهذا بقيت الرواية في رأسي بعد أن أغلقتها.
فالطيب صالح لا يضع الشرق في مواجهة الغرب فقط، بل يضع الإنسان أمام مرآته؛ ليكتشف أن الصراع الذي يبحث عنه خارج نفسه قد يكون ساكنًا في داخله.
مصطفى سعيد ذهب بعيدًا بحثًا عن إجابات جديدة، لكنه عاد إلى القرية محمّلًا بأسئلة العالم. وربما كانت رحلته، في جانب منها، محاولة للهروب من تناقضات لم يستطع أن يتخلص منها حتى بعد عودته.
وهنا تكمن الهجرة الحقيقية:
ليست من الجنوب إلى الشمال، ولا من الشمال إلى الجنوب، بل من الإجابة الجاهزة إلى السؤال.
أن تنتقل من:
أنا أعرف
إلى:
ربما لا أعرف.
وهذه ربما هي أصعب الهجرات؛ أن تفتح باب السؤال، ثم تكتشف أنك لم تعد قادرًا على العودة إلى يقينك القديم.
فبعض الهجرات تغيّر المكان، وبعضها يغيّر الإنسان، أما أخطرها فهي التي تغيّر الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى نفسه وإلى العالم.
الهجرة إلى الشمال كانت رحلة مكان...
أما الهجرة إلى السؤال فكانت رحلة إنسان.
**
اكتب كمن يلقي حجرا ليحرك سكون العقول