الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من يعوّض الطالب عن أيامه الضائعة؟

بواسطة azzaman

من يعوّض الطالب عن أيامه الضائعة؟

العلاء صلاح عادل

 

في حسابات الإدارة قد تكون ثلاثة أسابيع مجرد مدة يمكن نقلها من خانة إلى أخرى في التقويم الدراسي، لكنها في حياة الطالب عشرات الحصص وساعات من التعلم وصفحات من المناهج وفرصًا للفهم والمراجعة والتدريب، لا يمكن استعادتها بالسهولة التي يُغيَّر بها موعد بدء الدوام. ومع تأجيل انطلاق العام الدراسي 2026–2027 في المدارس العراقية، يعود السؤال الذي غالبًا ما يأتي متأخرًا في قراراتنا التعليمية: أين يقع وقت الطالب في سلم الأولويات؟ فالمشكلة ليست في تغيير التاريخ المكتوب على التقويم فحسب، وإنما فيما يترتب على ذلك داخل الصفوف بعد بدء الدراسة. نحن نتعامل أحيانًا مع أيام العام الدراسي وكأنها مساحة زمنية مرنة يمكن تقليصها ثم تعويضها لاحقًا، مع أن العملية التعليمية ليست جدولًا يمكن ضغطه متى شئنا؛ فعندما تقل الأيام ولا يتغير حجم المنهج، تصبح النتيجة معلمًا يلاحق المقرر، وطالبًا يلاحق المعلم، وأسرة تحاول في المنزل سد ما تركته سرعة الشرح في المدرسة.

صورة تدريجية

وهنا ينبغي أن نسأل: ماذا سيحدث عندما يبدأ الدوام؟ هل ستُضغط المناهج لإنجازها في الوقت المتبقي؟ هل ستقل فرص المراجعة؟ هل ستزداد الواجبات والحصص؟ وهل سيكون التعويض على حساب أيام العطل وراحة الطالب؟ إن تعويض الأيام على الورق شيء، وتعويض التعلم شيء آخر تمامًا؛ فمن الممكن إضافة حصة إلى الجدول، لكن لا يمكن ضمان أن يستوعب الطالب في وقت مختصر ما كان يفترض أن يتعلمه بصورة تدريجية خلال مدة أطول، لأن التعليم لا يقوم على إكمال صفحات الكتاب فقط، وإنما يحتاج إلى وقت للفهم والتطبيق والمراجعة وترسيخ المعلومة. وتزداد حساسية المسألة عندما نتحدث عن طلبة الصفوف المنتهية الذين يدخلون عامًا يرتبط بالنسبة إليهم بمستقبل جامعي وطموحات تنتظرها عائلاتهم منذ سنوات، فهؤلاء يحتاجون إلى عام مستقر وجدول واضح ووقت كافٍ ومنهج يقدم بصورة متوازنة، لا إلى سباق بين المدرس والكتاب والامتحان. وحين يضيق الوقت تبدأ بعض الأسر بالبحث عن البديل، فيظهر المدرس الخصوصي والدورات والملازم والمصاريف الإضافية، وهكذا تنتقل فاتورة الوقت الضائع من المؤسسة التعليمية إلى الأسرة، والأخطر أن هذه المعادلة لا تحقق العدالة بين الطلبة، فهناك عائلة تستطيع أن تدفع لتعويض أبنائها، وأخرى بالكاد تستطيع توفير مستلزمات الدراسة، وحين يصبح تعويض النقص في التعليم مرتبطًا بالقدرة المالية للأسرة فإن القضية لم تعد مجرد تأخير في التقويم، بل أصبحت تمس مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية. ولا أحد ينكر في المقابل أن مدارس كثيرة تحتاج إلى الصيانة والتأهيل، وأن توفير بيئة دراسية مناسبة ضرورة لا يمكن التهاون فيها، لكن السؤال المنطقي هو: لماذا لا تبدأ الاستعدادات للعام الجديد منذ انتهاء العام السابق؟

تجهيز الصفوف

فالعطلة الصيفية يفترض أن تكون فرصة لصيانة الأبنية وتجهيز الصفوف وتوفير الكتب وحصر الاحتياجات ومعالجة النقص والتأكد من جاهزية المدارس قبل أن يقف الطالب أمام بابها في اليوم الأول. كما أن البيئة التعليمية لا تنتهي عند أسوار المدرسة؛ فالطرق المؤدية إليها ومداخلها وشبكات تصريف المياه جزء من قدرة الطالب على الوصول إلى صفه، ومع اقتراب الشتاء ينبغي أن تكون معالجة الشوارع المحيطة بالمدارس ضمن الاستعدادات المبكرة، بدل أن تتحول الأمطار في كل موسم إلى سبب جديد للغياب أو تعطيل الدراسة. فالمطر ليس حدثًا مفاجئًا في الشتاء، وبداية العام الدراسي ليست موعدًا مجهولًا، وحاجة الأبنية إلى الصيانة لا ينبغي أن تُكتشف قبل عودة الطلبة بأيام. المشكلة إذن ليست في وجود التحديات، فكل نظام تعليمي يواجه مشكلات، وإنما في طريقة إدارتها وفي قدرتنا على توقعها قبل أن يتحمل الطالب نتائجها. نحن بحاجة إلى تغيير نظرتنا إلى الزمن المدرسي، وأن نتعامل مع الساعة التعليمية .

باعتبارها ثروة وطنية لا تقل أهمية عن الأموال التي تنفق على قطاع التربية؛ فإذا كنا نسأل عن الأموال المهدورة، فمن حقنا أيضًا أن نسأل عن الساعات التعليمية التي تضيع من ملايين الطلبة، وكيف ستعوض، وما الأثر الذي ستتركه في تحصيلهم ومستقبلهم. فالخسارة التعليمية لا تظهر فورًا في ميزانية الدولة، لكنها قد تظهر لاحقًا في مستوى طالب أو نتيجة امتحان أو خريج لم يحصل على القدر الكافي من التعليم. إن إصلاح التعليم لا يبدأ دائمًا بمناهج جديدة أو أجهزة حديثة أو شعارات كبيرة، بل قد يبدأ بأمر يبدو بسيطًا: أن يذهب الطالب إلى مدرسته في الموعد المحدد ويجدها جاهزة لاستقباله، وأن يعرف منذ بداية العام أن وقته لن يكون أول ما نضحي به عند ظهور مشكلة كان بالإمكان الاستعداد لها مسبقًا. فالطالب يستطيع أن يعيد درسًا لم يفهمه، وأن يقرأ صفحة مرة ثانية، وأن يعالج ضعفه في مادة ما، لكنه لا يستطيع أن يعيد يومًا مضى من عمره؛ وحين نأخذ من الطالب وقته، فإننا لا نؤجل درسًا فقط، بل نقتطع جزءًا من مستقبله.

 


مشاهدات 41
الكاتب العلاء صلاح عادل
أضيف 2026/09/23 - 12:49 AM
آخر تحديث 2026/09/23 - 1:32 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 135 الشهر 38556 الكلي 16571076
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير