نصير الجادرجي: أنا ابن وزير سابق وسليل أسرة معروفة
مشيت حافي القدمين متمرداً وأعتقلت بتهمة التسوّل
مجيد السامرائي
اخترت عزلةً سعيدة، أتاحت لي أن أكتب، وأدوّن، وأعود إلى الذاكرة وأجمعها. في خمسمائة صفحة..
□ هذه العصا… عصا الأستاذ نصير الجادر جي؟ .
– «نعم، هذه العصا رافقتني منذ خمس أو ست سنوات، وربما أكثر، توكأت عليها، لا لضعف، بل لمتعة في الشكل وروحٍ في المادة. قبضتها فنية، صنعت بعناية من خشب عراقي أصيل، من أشجار غرستها بنفسي في بستاني، ومن خشب الجوز في كردستان، وفي كل مرة كنت أحرص أن تحمل عصاي شيئاً من هذه الأرض.»
□ «كم عصاً جمعت حتى الآن؟»
– «ربما خمسون، أو أكثر بقيَت في بيتي عصيّ منوعة، بعضها بصناعة أجنبية، لكن الأثمن عندي ما صنع بيد عراقية. غير أني أعترف أن الدكتور كمال السامرائي سبقني، كان مولعًا بالعصي.
ظهر معي في حلقة بعنوان (العصا) في برنامج (شيء أمان) كم أحببت حديثه! مرة أخبرني أن نبيل الدهان أهداه عصا نادرة. لم يحتمل الانتظار، فظل مستيقظًا حتى الصباح ليذهب ويجلبها بنفسه.»
□ «متى شققت عصا الطاعة؟»
– «منذ الطفولة. كنت عاصيًا، ولبثت كذلك حتى عام 1956 أو 1957، حين بدأت أستجيب للطاعة، لكنها طاعة مشروطة بالاقتناع، لا بالامتثال الأعمى. دخلت الفكر الشيوعي عام 1955، حين كانت البلاد تختنق. الحريات اختنقت، الصحف أُغلقت، والأحزاب حوصرت، فتحوّل كثير من أبناء القوميين والبرجوازيين نحو الحزب الشيوعي.»
□ «وأنت كنت من بينهم؟»
– «نعم، ابن وزير سابق، وسليل أسرة معروفة، لكنني مشيت حافي القدمين ومتمردًا أحببت الحفاء، عشقته، كنت أندهش حين أرى والدي وأقرانه يمشون حفاة على التراب وكأنهم يخلعون عنهم كل أثقال الدنيا.»
□ «لكن التمرد كان له وجه آخر؟»
– بالتأكيد. كنت أشتري أرقى أنواع الأحذية، الإنجليزية الصنع، وأنا في ذروة تمردي. كانت عندي ازدواجية. ذات مرة ذهبت إلى الخياط الشهير سلمان وادي في بغداد. أحضرت معه قطعة فاخرة من القماش الإنجليزي اسمها (دورميه كوبون) وضعتها في كيس بسيط لم يكن يعرفني، فساومته على السعر، أراد أن يأخذ 25 دينارًا، قلت له سمعت أنك تأخذ 30! تفاجأ، راجع السجل، ثم سألني عن اسمي، فقلت له: نصير الجادرجي تغير وجهه، قال لي: أنت ابن الأستاذ كامل؟ قلت له: نعم. فاحتفى بي وأكرمني، هكذا كانت بغداد… تمرّد بنكهة التقاليد.
□ «هل كانت العزلة خيارًا أم قدرًا؟»
– هي قدر اختلط بالخيار اخترت حياةً حرة، وإن اتشحت بالعزلة. لكنها كانت عزلةً سعيدة، أتاحت لي أن أكتب، أن أدوّن، أن أعود إلى الذاكرة وأجمعها. في خمسمائة صفحة دوّنت كل شيء: طفولة متناقضة، وشبابًا متمردًا، وحياة على طريق المتاعب
– «على ذكر الأناقة… تمار الداغستاني قالت لي ذات يوم: والدي غازي الداغستاني كان من أشيك رجال الدولة، لا بل من أجملهم، من سكان شارع طه.»
□ «شارع طه؟
لم يكن مجرد شارع… كان سحرًا من الزمن الرفيع نعم، غازي الداغستاني كان أنيقًا بحق... أناقته لم تكن فقط في البذلة العسكرية، بل حتى في ثيابه المدنية رياضيّ، جميل، ومحبوب من الجميع وكنا نرقبه بإعجاب من شرفاتنا في الحي.»
□ «من هم الذين سكنوا هذا الشارع وأثّروا فيك؟»
– «كثيرون… أستطيع أن أعد لك ما لا يقل عن عشرين وزيرًا، خمسة أو ستة رؤساء وزراء، سكنوا في شارع طه أو في شوارعه المجاورة. فاضل الجمالي، نجيب الربيعي، حسيب الربيعي، علي الوردي، هاشم علاوي، عبد الهادي الجلبي – والد أحمد الجلبي – مصطفى العمري، طه الهاشمي… والدي كان صديقًا له، بل جاء ليسكن الشارع على رغبته.»
□ «هل صحيح أن ياسين الهاشمي لُقّب بـ(أبو دماغين)؟»
– «نعم، يُقال ذلك. كان يُعد من أذكى رجالات السياسة في زمانه. وطه الهاشمي، رجلٌ آخر، نقيّ الفكر، ألّف في الجغرافية البشرية، ودرّسنا كتابه في المدارس كان يتردد علينا كثيرًا في الحزب الوطني الديمقراطي بداية الخمسينيات، يناديني بودّ: ‘تعال اقعد يمي، اش تحكون علينا أنتو الشباب؟’ فأقول له: ‘عمو ما نحجي عليكم.’ فيضحك ويقول: ‘لا، قول حتى أفهمكم’ رجال تلك المرحلة كانت لديهم رغبة صادقة في الإصغاء لجيلنا.»
□ «هل كتبت عن طه الهاشمي في مذكراتك؟»
– «قليلًا، رغم أنه يستحق أكثر، ربما لأنني عشت في بيوت كثيرة، والتقيت شخصيات متعددة، فتوزعت الذاكرة. لكنه كان من الكبار الذين أرتاح لهم. كنت شابًا صغيرًا، لكنه يعاملني كندّ. مثلما فعل الدكتور عدنان الباججي، كان يكبرني سنًا، لكن العلاقة بيننا كانت صافية… مزاح، مودة ، وعلاقتي بـ “رشيد عالي الكيلاني” حين يأتي إلى القاهرة كان أول من يتصل بي، أزوره في الفندق، أجلس معه، نستذكر ونمزح ونتحدث عن السياسة والحياة حتى آخر قطار في الليل.»
□ «هذا الامتداد في العلاقات… هل هو أيضًا امتداد للعمر؟
– ربما. المرحوم الأستاذ رفعت عاش حتى الثالثة والتسعين. وأنا الآن بلغت الثامنة والثمانين، وما زلت أكتب وأتذكّر، كأن ذاكرتي ترفض أن تشيخ. بيتنا – بيت الجادرجي – معمّرٌ بالقصص، بالعلاقات، بالحياة… وهذه الأحاديث التي نسترجعها اليوم ليست من الماضي فقط، بل من نبضٍ لم يخفت بعد.
□ «في وصيته… كانت هناك أمور غريبة.»
– «نعم. لقد أوصى أن تُحرَق جثته.»
□ «هل نُفذت الوصية؟ هل نُفث الرماد؟»
– «لا أعلم، جائحة كورونا منعتني من السفر إلى لندن، فلم أحضر مراسم الوداع، لا أعلم يقينًا إن أُحرقت جثته أم لا، الغموض لا يزال يلف تلك اللحظة.»
□ «وأنت، هل أوصيت بشيء؟»
– «نعم… أوصيت أولادي إن كان ممكنًا أن يُدفن جسدي في بغداد. وأمنية لي: أن أصبح نشيدًا… أن أذوب في تراب بلدي، أن أُدفن في قلب الدين والمحبة، في عراق أحببته بعمق.»
□ «هل تعلم أن الفنان فائق حسن (رحمه الله) أوصى بحرق جثمانه أيضًا؟»
– «نعم. وقيل إن سوزان مراثا أحضرت زجاجة فيها رماده، وسلّمتها للمرحومة ليلى العطار، لكن بعد ذلك… لا أحد يدري أين انتهى الرماد.»
□ «كأنها ظاهرة؟»
– «في لندن، باريس، وغيرها من المنافي… كثير من العراقيين أوصوا بذلك أراها مسألة شخصية تمامًا، ترتبط بفلسفة الفرد. لا أُحاكمها.»
□ «رفعت… لماذا لم يُنجب؟»
– «قال لي ذات مرة: لا أريد أن يأتي أحد ويدنّس هذه الأرض، هكذا بكل صراحة. كانت قناعته وبلقيس شرارة وافقته في ذلك كانت متقاربة معه فكريًا كان رجلاً صعبًا، غريب الأطوار، فائق الحساسية… حتى أدوات المطبخ، حتى الملابس… كل ما يحيط به يجب أن يكون جميلاً، متناسقًا، ذا ذوق رفيع الورق نفسه… إن لم يكن ثقيلًا ناعم الملمس، لا يستطيع أن يكتب عليه.»
□ «وهل تحتفظ له بشيء؟»
– «كثير من التحف من فائق حسن، من محمد غني حكمت، ومن رواد آخرين. مجموعة ضخمة من تصاوير الفنانين، من الرواد ومن الشباب. حتى تخطيط (الجندي المجهول)… أُنجز في عشر دقائق فقط لديّ نسخ منه.»
□ «وماذا تشعر عندما تمر على ساحة الفردوس بعد هدم النصب؟»
– «ألم… وجع لا يوصف هذه ذاكرة عراقية محيت مثل كثير من معالم بغداد. شارع طه، مثلًا، دُمّر بالكامل. بيت مصطفى العمري المقابل لنا هُدم. بيت لانج، المكتبة الوطنية… تحولت إلى مكتبة، نعم، لكنها فقدت روحها. نحن لا نحمي ذاكرتنا.
الجندي المجهول… حرام… ذهب قد نقيم نصبًا آخر، لكن ليس له روح الأول. هذه ليست حجارة… هذه ذاكرة.»
□ « هل خدمت الخدمة الإلزامية؟»
– «لا. حتى بعد تخرّجي، أعفيت أنا ومئة شخص آخر لأسباب سياسية. قيل حينها إننا تجاوزنا السن القانوني. لم يُسمح لنا بالدخول في الخدمة.»
– على عكازه يمشي الهوينى
ونحن على خطاه قد مشينا.
وخلق الدهر طورًا بعد طور
يمد يدًا لنا ويدًا علينا…
– «نعم… هذه العصى، رجلي الثالثة، ليست مجرد عكاز… إنها امتداد لجذري، لذاكرتي، لعهدي الأول هذه العصى تعود لثاني رئيس وزراء في العهد الملكي الساعة التي أرتديها كذلك… من مقتنياته. الساعة متوقفة، عقاربها لا تتحرك. لكنه الحدث الذي لا يُنسى… الثالث عشر من تشرين الثاني، عام 1929، حين انتحر عبد المحسن السعدون. لحظة ما زالت عقارب الذاكرة تقف عندها.»
– «ضابط نبيل… تخرّج من المدرسة العسكرية العراقية، شأنه شأن غازي الداغستاني، حسيب الربيعي، نجيب الربيعي… رجال أفذاذ، سكنوا التاريخ لا البيوت فقط.
– «نسيت أن تذكر جعفر العسكري…»
– «جعفر العسكري؟ طبعًا…
من رعيل الدولة المبكر، من الذين تخرّجوا في تركيا قرأت مذكراته… وقرأت ما كُتب عنه، وإن كان ما كُتب لا يفيه حقه. أذكر أن القيسي كتب دراسة ماجستير جيدة عنه وربما نجد فتحي أو صفوت كذلك تطرّق إليه… فهو من سكّان شارع طه أيضاً. لكن الكتابات ركّزت أكثر على ياسين الهاشمي وجعفر العسكري، لما بينهما من أدوارٍ حاسمة في بدايات تأسيس العراق.»
□ «لكن… ثمة من يصف العهد الملكي بالعصر الذهبي!»
– «صحيح، لكن يجب أن لا نغفل أن ذلك العصر شهد أيضًا صدمات دامية… أول انقلاب عسكري في تاريخ العراق، بل في العالم العربي، كان انقلاب بكر صدقي. هذا حدث لا يمكن تجاوزه.»
– «وبكر صدقي نفسه؟»
– «كان متأثرًا بكمال أتاتورك، كما كان رئيس وزرائه حكمت سليمان متأثرًا بأفكار شقيقه محمود شوكة باشا، ذي الميول اليسارية. أما انقلابهم، فكان يحاكي انقلاب ‘تركيا الفتاة’ على السلطان عبد الحميد. هو ليس مجرد انقلاب… هو نقطة تحوّل، وانكسار.»
– «سمعت عن رسالة غريبة… كأنها نحسٌ مسطور!»
حفيدتي “ياسمين”، بنت ابنتي إيناس، عمرها سنة ونصف، ترقص باستمرار.