قراءة نقدية متكاملة في نص الشاعر رياض الدليمي.. ارثي تجاعيد القصيدة
محمد صبي الخالدي
تتسع المساحة التشكيلية في هذا النص للشاعر والناقد الأستاذ رياض إبراهيم الدليمي لتتحول الحروف إلى ضربات فرشاةٍ مثقلة بالوجع الإنساني والتأمل الوجودي. نستهل هذه القراءة بمشهدية قصصية مقتنصة من جوهر النص؛ إذ يقف المبدع في آخر النهار أمام لوحة الحياة والقصيدة، يرثي التجاعيد التي حفرها الزمن على جسد النص، وينفذ برهافةٍ إلى شرايين الفسائل وأوجاع التوت ليعيد ترميم ما تآكل منها. ينفلت من قيود اللحظة وهو يعصر الفجيعة كأساً تروي الجذور، بينما يتألق الزهر في سحره كعنوان لأناقته الروحية، وتسارع قدماه نبض الأشواق نحو ضفافٍ تتنازعها اللهفة، لينتهي المطاف بصرخةٍ تتسامى من شدة الوجع وغضب السورات الذاتية.
وفي السرد التحليلي المتسلسل الذي يدمج المعمار اللغوي بالنظام الجفري والتحليل الأكاديمي، يفتح الشاعر نصه بالفعل المضارع (أرثي تجاعيدَ القصيدةِ / وبلاهةَ الحروفِ)؛ حيث جاء (أرثي) مرفوعاً بالضمة المقدرة على الياء للمناسبة والتعذر، ونُصِب المفعول به (تجاعيدَ) بالفتحة مضافاً إلى (القصيدةِ)، وعُطِفت (بلاهةَ) بالفتح على تجاعيد. لغوياً، يزاوج النص بين رثاء الشكلي (التجاعيد) ورثاء المضمون (البلاهة)، ونرى أكاديمياً كيف يمارس الدليمي تقنية "أنثروبولوجيا النص"؛ إذ ينقل القصيدة من كائن لغوي تجريدي إلى جسد حيواني/بشري يعاني من التآكل والشيخوخة. أما جفرياً، فتتجلى طاقة حرف الألف في (أرثي) بوصفها محرك البدء والفيض الأول، متبوعة بطاقة حرف التاء في (تجاعيد، التوت) وهو حرف الترسيخ والامتداد في الأرض، فشفرة التوت والتجاعيد تعبر عن انغراس الوجع في الطبقات العميقة للوعي.
ثم يتعمق السرد اللغوي والجفري في قوله (أنفذُ إلى أوجاعِ التوتِ / وشرايينِ الفسائلِ / أرممُ ما تآكلَ منها / وما بَلَى...)؛ حيث ينبري الفعل المضارع (أنفذُ) مرفوعاً بالضمة ليدل على حركة الاستمرار والخرق، متعدياً بحرف الجر (إلى) لإفادة الغاية والمشابكة مع المجرورين (أوجاعِ، شرايينِ). ونرى أكاديمياً توظيف البيئة النباتية (التوت، الفسائل) كمعادل موضوعي للولادة والخصوبة؛ فالشاعر لا يكتفي بالرثاء الخارجي، بل يمارس دور "المعمار الروحي" لترميم ما بلي. وباطنياً، تظهر الشفرة الجفرية في حرف الفاء والسين في (الفسائل)؛ إذ يعبر الفاء عن الفتق والولادة، بينما يرمز السين إلى السِر والسور المحيط بالذات، لتصبح عملية الترميم حماية جفرية لعين الحياة المتبقية في الجذر.
ويرتقي البناء البلاغي والجفري في قوله (تثملُ الجذورُ بزلالي / وأعصرُ الفجيعةَ كأساً لترتوي)؛ حيث تقدم الفاعل (الجذورُ) مرفوعاً بالضمة بعد الفعل (تثملُ)، وجاءت (الفجيعةَ) مفعولاً به منصوباً للفعل (أعصرُ)، وحُلَّت (كأساً) على الحال أو المفعول الثاني لتشخيص الأثر المادي للوجع. ونرى أكاديمياً كسر الشاعر للمألوف السيميائي؛ فالشراب ليس خمرةً للمتعة بل هو "عصير الفجيعة"، والزلال المراق ليس ماءً مجرداً بل هو خلاصة الروح الشاعرة. وفي الميزان الجفري، تنفجر طاقة حرف الزاي في (زلالي، الزهر)؛ فالزاي هو حرف الزينة والإشراق والصفاء الملكوتي، حيث يتشابك زلال الذات مع جفاف الجذور ليعيد إليها طاقة الخضرة والنماء.
ويستمر التداعي في قوله (أرسمُ سلاستي بشهوةِ رجلٍ منفلتٍ / آخرِ النهارْ / الزهرُ عنوانٌ لافتٌ لأناقتي / لحظةَ السحرِ...)؛ حيث أُضيف الظرف (آخرِ) والمجرور (شهوةِ) لضبط إيقاع الزمن، وجاءت (الزهرُ) مبتدأً مرفوعاً خبره (عنوانٌ) الموصوف بـ (لافتٌ). ونرى أكاديمياً كيف يدمج الشاعر بين الحس التشكيلاتي بصفته رساماً (أرسم) وبين الحس اللفظي (أناقتي، الزهر)، لينتج صورة بصرية تقوم على التباين بين عتمة "آخر النهار" وإشراقة "لحظة السحر". أما جفرياً، فإن الشفرة الحرفية للرجل المنفلت في لحظة السحر ترتبط بحرف الحاء والخاء (لحظة، السحر) بوصفهما حرفي التحول والتجلي الخفي؛ إذ يتجاوز الشاعر القيود المكانية والزمانية ليعلن أنسنة الجمال والحرية.
ويصل النص إلى ذروة التكثيف الحركي والصوتي في قوله (قدماي تُسارعانِ النبضَ / أشواقي تنازعُ الضفاف / مطلعُ القصيدةِ يرتجفُ على المعصمِ / يهذي بالبياضِ / ولجاجةِ القوافي)؛ حيث جاء (قدماي) مبتدأً مرفوعاً بالألف لأنه مثنى، وجملة (تُسارعانِ) خبره، مع نصب المفعولين (النبضَ، الضفاف). ونرى أكاديمياً توظيف حركة "التنازع والتسارع" لبث اضطراب شعوري داخل المفردات؛ فمطلع القصيدة لم يعد مكتوباً على الورق، بل يرتجف مائياً على (المعصم) كأنه نبض بيولوجي يهذي بالبياض. باطنياً، تتجلى الشفرة الجفرية لحرف القاف والميم في (القوافي، المعصم)؛ فالقاف حرف القدرة والقوة الباطنية، والميم حرف الامتلاء، حيث تصبح لجاجة القوافي صراعاً بين طاقة الفيض المكتوم وحدود التعبير اللغوي.
ويختتم الناقد والشاعر نصه بهذه القفلة التصويرية الشاهقة (يعزفُ الخصلاتِ بأوتارِ الشهبِ / جلالةُ الأقراطِ قصةً أخرى / تروى كلَّ ليلةٍ / ويكتمُ النَّفَسَ / تتعالى الصرخاتُ / من شدةِ الوجعِ / وغضبِ السَّوْراتِ)؛ حيث رُفعت (جلالةُ) مبتدأً، وجاءت (قصةً) خبراً منصوباً على الانزياح أو التمييز التوكيدي، ونُصبت (الصرخاتُ) بالضمة لأنها فاعل مرفوع للفعل (تتعالى). ونرى أكاديمياً كيف ينهي الدليمي اللوحة بتصعيد تراجيدي يربط بين العزف الكوني (أوتار الشهب) والوجع الإنساني الحاد (شدة الوجع، غضب السورات)، محولاً التجربة الذاتية إلى ثورة وجدانية تتجاوز الفرد إلى المطلق. وفي الجفر الأعلى، تتمثل الشفرة النهائية في حرف الغين والصاد (غضب، صرخات)؛ إذ يرمز الغين إلى الغيب والغلبة، والصاد إلى الصلابة والصبر، ليغلق النص أبوابه على دويّ صرخةٍ علوية تعلن انتصار الروح على الفناء عبر فعل الكتابة والترميم.
القصيدة المستخلصة من روح النص والتحليل (على بحر الكامل):
أَرِثِي تَجَاعِيدَ القَصِيدَةِ فِي دَمِي
وَأَفُوضُ فِي أَوْجَاعِهَا لأَرَمَّمَا
عَصَرَتْ يَدَايَ الفَجِيعَةَ كَأْسَهَا
وَمَنَحْتُ زُهْدَ الجِذْرِ زُهْداً أَعْظَمَا
وَرَسَمْتُ أَنَاقَةَ زَهْرَتِي بَيْنَ المَدَى
حِينَ السَّحَرُ يَشُدُّ شَوْقِي المُلْهَمَا
عَزَفَتْ عَلَى شُهُبِ المَجَرَّاتِ الـمُنَى
وَأَبَتْ عُتُوَّ السَّوْرَةِ أَنْ تُهْزَمَا
نص بقلمي مستخلص من قصيدة الشاعر رياض إبراهيم الدليمي:
أرثي تجاعيدَ القصيدةِ
وبلاهةَ الحروفِ
أنفذُ إلى أوجاعِ التوتِ
وشرايينِ الفسائلِ
أرممُ ما تآكلَ منها
وما بَلَى ...
تثملُ الجذورُ بزلالي
وأعصرُ الفجيعةَ كأساً لترتوي
أرسمُ سلاستي بشهوةِ رجلٍ منفلتٍ
آخرِ النهارْ
الزهرُ عنوانٌ لافتٌ لأناقتي
لحظةَ السحرِ ...
قدماي تُسارعانِ النبضَ
أشواقي تنازعُ الضفاف
مطلعُ القصيدةِ يرتجفُ على المعصمِ
يهذي بالبياضِ
ولجاجةِ القوافي
يعزفُ الخصلاتِ بأوتارِ الشهبِ
جلالةُ الأقراطِ قصةً أخرى
تروى كلَّ ليلةٍ
ويكتمُ النَّفَسَ
تتعالى الصرخاتُ
من شدةِ الوجعِ
وغضبِ السَّوْراتِ .