فم مفتوح .. فم مغلق
كتاب ثقيل بمضمون ممتع
زيد الحلي
ما رأيكم في كتاب يقارب وزنه كيلوغرامين، ويحتوي على 736 صفحة من القطع الكبير؟.. مؤكد أن بعضكم سيقول: هذا كتاب يصعب حمله وقراءته في أجوائنا، وشبه مستحيل الاطلاع على مضمونه كاملاً، مهما بلغت أهميته.
وأصدقكم القول، كان هذا انطباعي الأول وأنا أحمل كتاب «العراق في هذا اليوم» الذي احتوى على أحداث عراقية ممتدة عبر سنوات طويلة، من عام 1555 لغاية عام 2020 وفق فهرسة وترتيب لافتين، بذل فيهما معده الأستاذ فتيان أكرم الراوي جهدا مضنيا، مقدما عملا توثيقيا مهما لأبرز الأحداث التي شهدها العراق، ومستندا إلى مصادر ووثائق تاريخية متنوعة، صاغ منها سجلا يوميا يسلط الضوء على محطات ووقائع مهمة من تاريخ البلاد.
لكن الأمر اختلف عندي جذريا حين بدأت بتصفح الكتاب، في البدء على سبيل إسقاط الفرض، فإذا به يسحبني شيئا فشيئا إلى المتابعة، أقرأ هذا الحدث، وأتوقف عند غيره، وأعود إلى ثالث، حتى قررت ترك القراءة العشوائية والعودة إلى الصفحات الأولى.
وهكذا استمر الحال ثلاثة أيام من القراءة الممتعة، اطلعت خلالها على سرد موثق للوقائع التاريخية من منظور يومي، أتاح لي النظر إلى التاريخ العراقي من زاوية مختلفة، من خلال جمع الأحداث التي وقعت في اليوم نفسه عبر سنوات وعقود متباينة.
وهذه، في تقديري، واحدة من أجمل مزايا الكتاب، فأنت لا تقرأ التاريخ بوصفه خطا زمنيا طويلا ومتصلا فحسب، بل ترى اليوم الواحد وكأنه نافذة تطل منها على أزمنة عراقية متعددة. في تاريخ واحد قد تجد حدثاً سياسياً، وفي العام نفسه من زمن آخر واقعة ثقافية أو اجتماعية أو اقتصادية، فتشعر وكأن الزمن يقلب أمامك ألبوم العراق، صفحة بعد أخرى.
وأنا أنهي قراءة هذا السفر الثقافي الكبير في طروحاته، تذكرت المثل الأوروبي القائل: «الكيس الثقيل يصبح فوق الظهر خفيفاً». وفعلاً، لم أجد في ثقل الكتاب ولا في كثرة صفحاته ما يمنعني من الاستمتاع بمضمونه الساحر، فقد وضعني أمام شاشة واسعة تعرض فيلماً وثائقياً جميل الصنعة، أبطاله أحداث وأسماء وأمكنة وأزمنة صنعت تاريخ العراق.
فالقراءة التاريخية ليست بالضرورة عملية جافة أو مملة أو صعبة، بل يمكن أن تكون هواية تملأ الوقت بالفائدة والمتعة، وثقافة ترفع الوعي، ورحلة تسعد الذهن وتوقظ الذاكرة.
وليست قيمة الكتب في عدد صفحاتها ولا في وزنها، وإنما في مقدار ما تتركه في عقل قارئها ووجدانه. وقد يكون الكتاب ثقيلاً بين اليدين، لكنه خفيف على الروح، سريعاً إلى العقل، إذا أحسن صاحبه ترتيب مادته وتقديمها، وجعل القارئ شريكاً في رحلة الاكتشاف.
واستعراض أحداث وقعت في التاريخ نفسه من سنوات خلت تبرز أهميته في ربط القارئ بالماضي، وإثراء وعيه الثقافي والتاريخي، وتذكيره بأهم المحطات والوقائع التي أسهمت في صياغة تاريخ بلده. كما أن هذا الأسلوب يقدم المعلومة بصورة سريعة ومشوقة، وقد يكون مدخلاً يدفع القارئ، ولاسيما الشاب، إلى البحث والتوسع وقراءة المزيد.
ومن هنا، فإن القراءة التاريخية تربطنا بماضينا، وتعيننا على فهم حاضرنا، وربما تساعدنا على استشراف مستقبلنا، ولذلك تكتسب أهمية خاصة لدى الجيل الجديد، لما لها من دور في تنمية الفكر، وتوسيع المدارك، وبناء الشخصية، وترسيخ الصلة بالهوية والذاكرة الوطنية.
وبكلمة تختزل ما أريد قوله: إن الجهد التوثيقي الذي قام به الأستاذ فتيان أكرم الراوي يمثل لبنة مهمة في حفظ الذاكرة العراقية وضمان بقاء كثير من الوقائع حاضرة أمام الأجيال القادمة، ولاسيما اصحاب المحتوى الاعلامي الراقي ، فالتوثيق ليس مجرد نقل للأحداث أو رصف للتواريخ، بل هو حفظ لذاكرة وطن، وتوفير مادة خام للباحثين وكتّاب التاريخ، ووسيلة لفهم تطور المجتمع وتحولاته السياسية والثقافية والاجتماعية.
وحين أغلقت الصفحة الأخيرة، أدركت أنني كنت مخطئاً في انطباعي الأول: حملت في البداية كتاباً يزن قرابة كيلوغرامين، لكنني بعد ثلاثة أيام من صحبته، شعرت أن الذي كنت أحمله لم يكن وزنا من الورق، بل سنوات طويلة من ذاكرة العراق.
وهناك فرق كبير بين ثقل الورق... وثقل التاريخ، فبعض الكتب نحملها بأيدينا، وبعضها، بعد أن نقرأه، يحملنا معه إلى زمن لم نعشه!
Z_alhilly@yahoo.com