الحكومة ومربع العقد
صلاح الدين الجنابي
العقد المكتوب هو الضامن لحقوق الطرفين، وهو الوثيقة التي تكفل حق التقاضي أو اللجوء إلى التحكيم عند شعور أحدهما بالضرر.
وأفضل العقود ما قام على العدالة والتوازن، بحيث يحفظ حقوق جميع الأطراف دون غبن أو إجحاف.
ولا تقتصر حقوق المتعاقدين على البعد المالي فحسب، بل تشمل أيضًا الأبعاد الفنية والقانونية واللغوية. فالتركيز على البعد المالي وحده لا يكفل حماية الحقوق، بل قد يؤدي إلى أضرار جسيمة إذا أُهملت هذه الأبعاد أو افتقرت صياغة العقد إلى الخبرة والكفاءة. وكثيرًا ما تكون الخسائر الناجمة عن ضعف الصياغة القانونية أو الفنية أو اللغوية أكبر بكثير من أي خسارة مالية مباشرة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى آليات علمية ومهنية رصينة لمراجعة العقود قبل توقيعها، ويأتي في مقدمة هذه الآليات عرضها على جهات استشارية متخصصة، كالمكاتب الاستشارية في الجامعات، أو المكاتب الاستشارية العامة والخاصة، بحسب طبيعة العقد وموضوعه.
إن إهمال هذه الأبعاد، أو عدم التحقق من سلامتها، قد يفضي إلى خسائر وأضرار مركبة تتجاوز بكثير ما يُظن أنه خفض الكلفة أو اختصار الإجراءات.
إن حماية المال العام لا تتحقق بالتدقيق المالي وحده، بل تبدأ بصياغة عقدٍ متكامل يراعي جميع أبعاده.
وإذا كان إرسال العقد إلى أجهزة الرقابة والتدقيق المالي يضمن سلامة ضلعٍ واحد من أضلاع العقد، فإن سلامة العقد بأكمله لا تتحقق إلا بمراجعة جميع أضلاعه: المالية، والفنية، والقانونية، واللغوية.فللعقد أربعة أضلاع، ولا تستقيم هندسته إلا باستقامة كل ضلع منها؛ فالخلل في ضلع واحد يخلّ بأبعاد العقد كلها، ويقوض بنيانه.