يا مكثر جائحاتنا الجامعية
طالب عويد الخزرجي
وما أكثر ما يمكن أن يقال عن واقع جامعاتنا اليوم، وهي التي يفترض أن تكون بيوتا للعلم، ومراكز لإنتاج المعرفة، وحاضنات للعقول، ورافعةً للتنمية، وقوة تقود مؤسسات الدولة وتنهض بالمجتمع. والمؤلم أن ما نشهده لم يعد خللًا عابرا أو تقصيرا محدودا في هذا المفصل أو ذاك، بل تراكمت في مفاصل التعليم الجامعي ظواهر أصبحت أشبه بجائحات متوالية تضرب العملية التعليمية والبحث العلمي والإدارة الجامعية، حتى غدت الجامعة، في بعض صورها، بعيدة عن الدور الذي أنشئت من أجله. ومن أبرز هذه الجائحات:
المناهج الدراسية الموحدة في جامعاتنا، وعدم مواكبتها لحركة التقدم العلمي والمعرفي في العالم، جائحة.
هزال الدروس العملية وشح مستلزمات مختبراتها، جائحة.
تضخم أعداد الطلبة، في مقابل محدودية البنى التحتية وتقادمها، من فضاءات ومستلزمات أساسية وأجهزة وتقنيات، جائحة.
أما منح درجات المساعدة للطلبة، على اختلاف مراحلهم الدراسية، بعيدا عن الاستحقاق العلمي الحقيقي، فهو خلل آخر يضرب جوهر العملية التعليمية.
وكذلك غياب الملاك الدائم من المعيدين وورش الصيانة في الأقسام العلمية، وما يترتب عليه من ضعف في التعليم العملي والتدريب، فضلًا عن تقادم كثير من المستلزمات والتجهيزات.
وحصر الدوام الجامعي الصباحي في ست ساعات يوميا، من الثامنة صباحا إلى الثانية ظهرا، بما أضعف طبيعة الحياة الجامعية وحوّل المؤسسة، في بعض جوانبها، إلى ما يشبه المدرسة الإعدادية، ليس أمرا عابرا .
أما الدراسة الجامعية المسائية بكل شؤونها الحالية، ومنها قِصر مدة الدوام ( 2 ظهرا – 5 مساءا)، ثم مساواة مخرجاتها بمخرجات الدراسة الصباحية في الحقوق والواجبات من دون مراعاة الفروق في ظروف الدراسة ومتطلباتها، فتحتاج إلى مراجعة جادة.
وفي جانب آخر، يأتي تنامي الملاك الأكاديمي غير المؤهل، ومن ذلك أصحاب الشهادات المزورة والمفصولون انضباطيا، وهو أمر لا يمكن أن يمر من دون أن يترك أثره في مستوى الجامعة وسمعتها.
ثم تأتي الدراسات العليا، التي يفترض أن تكون قمة الهرم الأكاديمي، فإذا بها تواجه هي الأخرى تحديات كبيرة؛ من بينها فتح باب القبول على مصراعيه، عبر تنوع قنوات القبول واتساعها بما يتجاوز أحيانًا مقتضيات الرصانة العلمية.
ويضاف إلى ذلك غياب المعايير الصارمة لتقويم الرسائل والأطاريح ، وعبور معظمها بتقدير امتياز، حتى أصبح الامتياز في بعض الحالات أقرب إلى القاعدة منه إلى الاستثناء. أما تنفيذ بعض بحوث ومشاريع الدراسات العليا في مكاتب تجارية، بعيدا عن المختبر والجامعة والبيئة العلمية الحقيقية، فهذه جائحة في البحث العلمي لا يمكن التغاضي عنها.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر الجائحات إيلاما: غياب الحقل الذي يستوعب مخرجات الجامعات، بل يكاد يغيب سوق العمل الحقيقي القادر على استيعابها أصلًا.
فالجامعات تضخ سنويا أعدادا متزايدة من الخريجين، لكنها لا تضخهم إلى فرص عمل حقيقية، وإنما إلى شارع العطالة والبطالة؛ حيث تتراكم الشهادات من دون وظائف، وتتسع الفجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يجد نفسه مضطرا إلى ممارسته بعد التخرج .
ومن أكثر المشاهد إيلاما أن ترى بعض مخرجات جامعاتنا، بمختلف مستويات تحصيلهم العلمي، يعملون حمّالين في الأسواق العراقية المعروفة، (مثل سوق الشورجة)، بعد أن أمضوا سنوات في قاعات الدراسة والمختبرات، وحملوا شهادات يفترض أن تفتح لهم أبواب الحياة المهنية.
والأشد إيلاما أن المشكلة لا تتعلق فقط بمن كان تحصيله العلمي متواضعا؛ فحتى من امتلك تحصيلًا جيدا ومعرفة حقيقية قد يفقد، مع مرور الزمن، جانبا كبيرا مما تعلمه إذا بقي بعيدا عن مجال تخصصه، لأن العلم الذي لا يُمارس ولا يتجدد يتحول إلى معرفة خاملة تتآكل تحت ضغط الحاجة وظروف الحياة.
وهكذا لا تخسر الجامعة خريجا فحسب، بل يخسر المجتمع استثمار سنوات من التعليم والمال والجهد، وتخسر الدولة طاقات بشرية كان يمكن أن تسهم في البناء والإنتاج والتنمية.
ومن الجائحات الأخرى غياب التقييم الدوري الشامل لنظام التربية والتعليم على المستوى الوطني، بما يكشف مواطن الخلل ويقيس مستوى الأداء والمخرجات.
كما أن خسارة الملاك الأكاديمي الخبير وإبعاده أو تفريغ الجامعات من خبراته لأسباب واهية تمثل نزيفا حقيقيا يصعب تعويضه.
ولعل من أخطر ما أصاب الإدارة الجامعية غياب معايير الرصانة والكفاءة والنزاهة في تسنّم المناصب الجامعية، صغيرها وكبيرها، وتقديم الولاءات والعلاقات على حساب الاستحقاق العلمي والإداري.
ويأتي إلى جانب ذلك تدخل الأحزاب والقوى السياسية في الشأن الجامعي، والتأثير في القرارات والتعيينات والمناصب، وإخضاع بعض مفاصل المؤسسة الأكاديمية لموازين المحاصصة والولاءات السياسية.
أما الفساد الإداري والمالي، واجتياح المحاصصة للجامعات، فهما من الجائحات التي لا تحتاج إلى كثير شرح.
ويضاف إلى ذلك التوسع في الجامعات الأهلية وإغراقها بتخصصات معينة، بما لا ينسجم دائمًا مع حاجة المجتمع الفعلية، فضلًا عن التوسع في المراتب العلمية المتقدمة، حتى غلب في بعض الأقسام العلمية حملة الأستاذية، من دون أن يقترن ذلك بالضرورة بمستوى مماثل من الإنتاج العلمي النوعي.
أما غياب البعثات الدراسية، ولا سيما إلى الجامعات العالمية الرصينة، ولو في التخصصات النادرة التي تحتاجها البلاد، فيمثل انقطاعا عن أحد أهم روافد تطوير المعرفة وتجديد الخبرة الأكاديمية.
وما تقدم ليس إلا بعضا من المشهد؛ فالقائمة أطول من أن تُحصر في مقال.
لكن القضية الأخطر من كل ذلك أن جامعاتنا اليوم، من حيث أهدافها ورؤاها ووظيفتها المجتمعية، لا تتماهى مع فلسفة نظام المحاصصة؛ فالجامعة بطبيعتها مؤسسة تقوم على العلم والكفاءة والاستقلال الأكاديمي والتنافس المعرفي، بينما تقوم المحاصصة على منطق آخر لا مكان فيه بالضرورة لهذه المعايير.
فالجامعة لا ينبغي أن تسأل: من أي جهة جاء هذا؟ ومن يقف خلف ذاك؟ وإنما تسأل: ما كفاءته؟ ما إنتاجه العلمي؟ ما قدرته على التعليم والبحث والإدارة؟ وما الذي يستطيع أن يضيفه إلى الجامعة والمجتمع؟
إن الجامعة التي تفقد معيار الكفاءة تفقد بوصلتها، والجامعة التي يصبح فيها الانتماء السياسي أو الولاء الشخصي طريقا إلى الموقع الأكاديمي والإداري، لا تستطيع أن تنتج عقلًا حرا قادرا على قيادة الدولة والمجتمع.
والجامعة التي تتحول إلى مؤسسة لتخريج الأعداد، من دون أن تكون جزءا من مشروع وطني للإنتاج والتنمية والتشغيل، تصبح في النهاية محطةً لتأجيل البطالة لا لمعالجتها.
ومن باب خابر لو متلمس:
فإني عايشت واقع جامعاتنا لعقود طويلة، وفي جامعات عراقية عدة، وخبرت عصرها الذهبي كما خبرت جانبا كبيرا من واقعها الحالي. ولذلك فإن ما أطرحه ليس حكما من بعيد، ولا انطباعا عابرا، إنما هو حصيلة معايشة وتجربة ومقارنة بين ما كانت عليه الجامعة وما آلت إليه في جوانب عديدة.
ورب سائل يسأل: ما الحل؟
الحل، في تقديري، ينبغي ألا يكون إصلاحا ترقيعيا ولا معالجةً جزئية؛ لأن المشكلات تراكمت وتشابكت حتى أصبح بعضها يغذي بعضا.
نحن بحاجة إلى مشروع وطني شامل لإعادة بناء الجامعة العراقية؛ مشروع يعيد النظر في فلسفة التعليم الجامعي وأهدافه، ويعيد الاعتبار للجامعة بوصفها مؤسسة علمية مستقلة، ويضع الكفاءة والرصانة والنزاهة والاستحقاق العلمي في مقدمة معايير القبول والتعيين والترقية وتسنّم المناصب.
نحتاج إلى مراجعة المناهج، وإحياء التعليم العملي، وإعادة النظر في أعداد القبول والتخصصات، وضبط الدراسات العليا، وتشديد معايير تقويم الرسائل والأطاريح، واستعادة الأستاذ الجامعي الخبير، وإعادة بناء منظومة البحث العلمي والابتعاث على أسس رصينة، وربط التعليم الجامعي بمشروع الدولة التنموي والإنتاجي، بما يخلق أفقا حقيقيا لخريجي الجامعات بدل دفعهم إلى شارع البطالة.
وقبل هذا كله وبعده، لا بد من تحرير القرار الجامعي من التدخلات التي لا تنتمي إلى منطق الجامعة؛ فلا جامعة قوية من دون استقلال أكاديمي، ولا استقلال أكاديمي حقيقي مع استمرار المحاصصة والتدخل السياسي في شؤونها.
إن ما تحتاجه جامعاتنا ليس مزيدا من الترقيعات، ولا إعادة طلاء الجدران بينما تتآكل الأساسات، وإنما قرارا وطنيا شجاعا يعيد بناء المؤسسة الجامعية على أساس العلم والكفاءة والرصانة والاستقلال. فالترقيع لا يصلح ما تهدّم، بل قد يزيد المشوَّه تشويها.
والجامعة العراقية لا تحتاج إلى من يجمّل أزمتها، وإنما إلى من يواجهها بشجاعة، ويعيد إليها علمها وكفاءتها ورصانتها، ومكانتها ودورها في قيادة الدولة وتنمية المجتمع.