الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
النساء الآيزيديات..  من ضحايا الإبادة إلى قضية العدالة الإنتقالية

بواسطة azzaman

النساء الآيزيديات..  من ضحايا الإبادة إلى قضية العدالة الإنتقالية

فرح صابر

 

لا تُقاس المآسي الإنسانية بعدد سنواتها، بل بقدرة المجتمعات على تحويل الألم إلى عدالة، والذاكرة إلى ضمانة تمنع تكرار الجريمة. وبعد أكثر من عقد على الإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش بحق الإيزيديين في سنجار في الثالث من آب/أغسطس 2014، ما تزال قضية النساء الإيزيديات تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يكفي تحرير الضحايا لإعلان انتهاء المأساة، أم أن العدالة الحقيقية تبدأ بعد التحرير؟

   لقد اعترفت الأمم المتحدة، وعدد من الدول والمنظمات الدولية، بأن ما تعرض له الإيزيديون يمثل جريمة إبادة جماعية وفق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، وهو اعتراف لا يقتصر على توصيف الجريمة، بل يرتب التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا بمحاسبة الجناة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار ما حدث.

هدف مباشر

   ولم تكن النساء الإيزيديات ضحايا عرضيات للحرب، بل كن هدفًا مباشرًا لاستراتيجية قائمة على استخدام العنف الجنسي أداةً لتدمير الجماعة الإيزيدية. فقد وثقت الجهات الرسمية العراقية اختطاف نحو 6417 إيزيديًا، فيما لا يزال نحو 2600 شخص في عداد المفقودين حتى اليوم، وتشير التقديرات إلى أن نسبة كبيرة منهم من النساء والأطفال. كما وثقت فرق التحقيق التابعة للأمم المتحدة جرائم الاستعباد الجنسي والاغتصاب والزواج القسري والاتجار بالبشر، وهي أفعال تُصنف قانونيًا ضمن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وقد ترقى، في سياقها المنهجي، إلى أحد مظاهر الإبادة الجماعية.

    إلا أن إنهاء الأسر لا يعني انتهاء آثار الجريمة. فالناجيات يحملن ذاكرة مثقلة بالخوف والفقدان والاقتلاع من المكان والهوية، ويواجهن تحديات نفسية واجتماعية واقتصادية معقدة. ولهذا أصبح الحديث عن العدالة الانتقالية ضرورة، لأنها تمثل الإطار الذي يساعد المجتمعات الخارجة من النزاعات على معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ليس بالانتقام، وإنما بالحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي.

   وتقوم العدالة الانتقالية على أربعة مرتكزات رئيسة. أولها كشف الحقيقة، لأن الاعتراف بما جرى يمثل الخطوة الأولى لإنصاف الضحايا. فما زالت المقابر الجماعية في سنجار تُكتشف تباعًا، وما زالت آلاف الأسر تنتظر معرفة مصير أبنائها المفقودين، الأمر الذي يجعل البحث عن الحقيقة واجبًا إنسانيًا قبل أن يكون التزامًا قانونيًا.

   أما الركيزة الثانية فهي المساءلة القضائية. فالإفلات من العقاب لا يهدد الضحايا وحدهم، بل يبعث رسالة خطيرة مفادها أن ارتكاب الجرائم الجماعية يمكن أن يمر دون حساب. ولهذا تؤكد الأمم المتحدة باستمرار أهمية ملاحقة المسؤولين عن جرائم داعش، سواء أمام القضاء الوطني أو من خلال الآليات الدولية المختصة، لأن العدالة لا تتحقق ما دام الجناة بعيدين عن المساءلة.

    وتتمثل الركيزة الثالثة في جبر الضرر، وهو مفهوم أوسع بكثير من التعويض المالي. فالناجيات يحتجن إلى خدمات العلاج النفسي، والرعاية الصحية، والتعليم، والسكن، وفرص العمل، وإعادة الاندماج المجتمعي، فضلاً عن الدعم القانوني. وفي هذا الإطار، شكّل قانون الناجيات الإيزيديات رقم (8) لسنة 2021 محطة مهمة في التجربة العراقية، إذ اعترف رسميًا بحقوق الناجيات وأقرّ برامج للتعويض وإعادة التأهيل. إلا أن نجاح القانون يبقى مرهونًا بسرعة تنفيذه، واتساع نطاق خدماته، ووصولها إلى جميع المستحقات دون عوائق إدارية.

   أما الركيزة الرابعة فهي ضمان عدم التكرار، وهي ربما الأكثر أهمية. فلا قيمة لأي عدالة إذا لم تُفضِ إلى بناء مؤسسات قادرة على حماية المواطنين، وترسيخ ثقافة احترام التنوع الديني والثقافي، ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف الذي مهد الطريق لوقوع الجريمة. إن بناء السلام يبدأ من المدرسة، والجامعة، ووسائل الإعلام، كما يبدأ من نشر ثقافة حقوق الإنسان وسيادة القانون.

    وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن آلاف الإيزيديين ما زالوا يعيشون في مخيمات النزوح أو خارج مناطقهم الأصلية، في حين تواجه سنجار تحديات كبيرة تتعلق بإعادة الإعمار، وعودة الخدمات، وتحقيق الاستقرار الأمني. وهذا يعني أن العدالة ليست مجرد قضية قضائية، بل هي أيضًا قضية تنموية واجتماعية، لأن الإنسان لا يشعر بالإنصاف ما دام محرومًا من حقه في العودة إلى بيته، أو العيش بأمان، أو بناء مستقبله.

وفي هذا السياق، تكتسب النساء الإيزيديات مكانة خاصة في مسار العدالة الانتقالية، ليس لأنهن ضحايا فحسب، بل لأن كثيرًا منهن أصبحن فاعلات في الدفاع عن حقوق الإنسان، وتوثيق الجرائم، والمطالبة بالمساءلة، والمشاركة في الحوار الدولي بشأن حماية النساء أثناء النزاعات المسلحة. لقد أثبتت تجارب عديدة أن إشراك النساء في عمليات بناء السلام يعزز فرص تحقيق مصالحة مستدامة، ويمنح العدالة بُعدًا إنسانيًا أكثر شمولًا.

إن إحياء الذكرى السنوية للإبادة الإيزيدية يجب ألا يقتصر على استذكار المأساة، بل ينبغي أن يكون مناسبة لتقييم ما تحقق في مسار العدالة الانتقالية، وما بقي من التزامات لم تُنجز بعد. فهناك آلاف المفقودين الذين ينتظر ذووهم معرفة مصيرهم، وناجيات يحتجن إلى مزيد من الدعم، ومجتمع بأكمله يسعى إلى استعادة ثقته بالمستقبل.

الحقيقة والانصاف

    لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات لا تُبنى على النسيان، وإنما على الحقيقة والإنصاف. والنساء الإيزيديات لا يطلبن امتيازات استثنائية، بل يطالبن بحقوق كفلتها الشرائع السماوية، والقوانين الوطنية، والمواثيق الدولية: حقهن في الكرامة، والعدالة، والحياة الآمنة. ومن هنا فإن نجاح العدالة الانتقالية في العراق لن يُقاس بعدد القوانين الصادرة أو البيانات الرسمية، بل بقدرتها على إعادة الأمل إلى حياة الناجيات، وتمكينهن من المشاركة في بناء مجتمع يؤمن بأن الإنسان، أيًّا كان دينه أو قوميته أو جنسه، هو القيمة العليا التي يجب أن تُصان.

   فالعدالة ليست نهاية الطريق، بل هي البداية الحقيقية لسلامٍ دائم، سلامٍ يعيد للضحايا ثقتهم بالدولة والمجتمع، ويجعل من مأساة النساء الإيزيـــــديات درسًا خالدًا في أن حماية الكرامة الإنسانية هي أساس استقرار الأوطان، وأن الأمم التي تنصف ضحاياها هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل أكثر أمنًا وإنسانية.


مشاهدات 40
الكاتب فرح صابر
أضيف 2026/08/15 - 1:54 AM
آخر تحديث 2026/08/15 - 2:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 220 الشهر 15305 الكلي 16105009
الوقت الآن
السبت 2026/8/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير