المثقف العربي الذي عايشته
عبد المحسن عباس الوائلي
تحار احيانا كيف يمكن ان تتلقف المثقف العربي عموما كأنسان وموقف وكاتب او فنان او شاعر.
تحار كيف يمكن ان تحكم عليه: هل تحكم على تصرفاته او على مواقفه او على كتاباته. وبالتالي يأخذك العجب أحيانا كثيرة، كما تأخذك الدهشة او الذهول، وانت تحاول ان تبحث، عن شيء مشترك بين المثقف العربي كانسان، او ككاتب او کفنان او كشاعر. اي انك تحاول عبثا ان تجد ما يجمع بين ما يفكر وما يقول وما يكتب وما يتصرف. فهو يجمع بين كل هذه المتناقضات الحية، القادرة على التكيف والتكييف في جميع المتنافرات في اناء واحد، والماء والزيت في كف واحد، والصيف والشتاء على سطح واحد، حتى يأخذك العياء واليأس والخيبة وانت تحاول ان تفرق كل هذه الخيوط المتشابكة او كل هذه الاوتار التي يعزف عليها ، بلا حرج ودون ان يرف له جفن.
يسمونها ازدواجية وهي أكثر من ازدواجية في نفسيته ويسمونها فصاما بينه وبين شخصيته او بينه وبين واقعه، وهي اكثر من فصام. ويسمونها "حالة فكرية " وقعت في غيبوبة، او غيبوبة وقعت في حالة فكرية، بحيث انك تحس بان كل ما يقوله هذا المثقف العربي خارج من مناطق جوفية لا حول له بها ولا قوة، او من اعراض حالات هي مزيج من النسيان ومن الخيال ومن المشي في النوم او السهاد في الظهيرة او في الصبح او في كل الزمن.
لكن اكثر ما يستهويك فيه قدرته النادرة على ممارسة فنون التخييل، والسحر، مع، انك صرت تعرفها غيبا، وطردا وعکسا، وطولا وعرضا.
وكأنه من كل هذا، لا يطلب منك الا ان تعيش في حاضر كلماته وافعاله وافكاره. وان تنسى باستمرار فهو ينسى باستمرار عن قصد وعن غير قصد. ويطلب منك، بكل هذه الوسائل، ان تنسى مثله لكن عن قصد.
هل تريد ان ندخل في بعض التفاصيل؟ او في بعض الامثلة ؟ طبعا. كي لا نقع في التجريد. لكن من دون التوقف عند ظاهرة واحدة او شخص واحد أو حالة واحدة، لان كل الظواهر هي ظاهرة واحدة. وكل الاشخاص شخص واحد. وكل الحالات حالة واحدة ... فنحاول بشيء من الوضوح:
"يعاني" المثقف العربي من الاضطهاد: اضطهاد الانظمة والاجهزة والمؤسسات لكنك تكتشف انه الى هذا الاضطهاد، مرتبط روحا وجسدا وفكرا وجوهرا بل وملتزم بهذه الأنظمة. كالخادم المطيع. وتكتشف انه لا يشكو الا لتضاعف هذه الانظمة مكافآته وامتيازاته.
تقرأ لهذا المثقف فكرا يتسم بالمادية، او بالمادية التاريخية، او بالعلمانية، ولكن في الوقت ذاته، تراه يتحمس لكل الاتجاهات الدينية والطائفية واللاهوتية والغيبية، وينظر لها ويدبج تبريرات "تاريخية" وغير تاريخية لها بل ويسبق الجميع الى حمل لوائها والتلويح بها.
تقرأ لهذا المثقف ابحاث ودراسات تدافع عن الحريات بكل اشكالها الإنسانية والعاطفية والجسدية، ولكنك تكتشف انه في حياته الخاصة، يمارس كل انواع القهر والقمع على مجتمعهم (الصغير والكبير).
تقرأ لهذا المثقف انه يطالب بالانفتاح والتحرك مثلا في فضاء الغرب"، لكنك تقرأ له في اليوم التالي ما مفاده "ان الغرب مات" او يجب ان يموت ... لانه الخطر المحدق.
يدين المثقف، مثلا، المنبرية في الشعر او المناسبية في الادب، وينفخ في بوق الاخلاص والصدق للتجربة ولتفجيرها، ولكنك تراه يتجاوز الجميع الى نظم النصوص في هذه المناسبة ، أو القفز الى اول ميكروفون مثبت على منبر.
يصنف المثقف نفسه خارج السائد، بكل مستوياته، السياسية والفكرية والفنية. ولكنه عندما يناديه هذا "السائد" بطرف اصبعه، لينضم الى فردوسه، يجيش كل قدراته لدعم هذا السائد مهما كان شكل المؤسسة التي تحتويه ...
هذه بعض الامثلة. وبعض وجوه الكارثة. وجزء صغير من "مقامات" المثقف العربي الحديث.