القيم في مفترق الطرق
محمد كاظم الفاضلي
لا تولد القيم مع الإنسان، ولا تُفرض عليه بقوة القانون، بل تُبنى بهدوء داخل الأسرة، وتترسخ في المدرسة، وتُصقل في الجامعة، وتُختبر في مؤسسات الدولة، وتُعاد صياغتها يومياً عبر الإعلام والفضاء الرقمي. إنها عملية اجتماعية طويلة تجعل المجتمع قادراً على الحفاظ على هويته واستمراره، لأن ما ينتقل بين الأجيال ليس الدم أو اللغة وحدهما، بل منظومة كاملة من المعايير التي تحدد معنى الخير والعدل والانتماء والمسؤولية.
ولم يكن المجتمع العراقي، على امتداد تاريخه، يفتقر إلى منظومة قيمية راسخة. فقد شكلت الأسرة الممتدة، والعشيرة، والمدرسة، ودور العبادة، والمجالس الثقافية، منظومة متكاملة لإنتاج القيم ونقلها. لكن هذه المنظومة تعرضت خلال العقود الأخيرة إلى اختبارات قاسية بفعل الحروب، والحصار، والعنف، والاحتلال، والانقسام السياسي، ثم الثورة الرقمية التي أعادت توزيع النفوذ الثقافي داخل المجتمع.
اليوم لم تعد الأسرة المصدر الوحيد للتنشئة، ولم تعد المدرسة تحتكر المعرفة، ولم يعد الإعلام التقليدي هو من يصوغ الرأي العام. لقد انتقلت السلطة الثقافية إلى الفضاء الرقمي، حيث يتلقى الشباب آلاف الرسائل يومياً، بعضها يعزز الانتماء والعمل والمسؤولية، وبعضها الآخر يروّج للاستهلاك، والشهرة السريعة، والفردانية، والعنف اللفظي، بوصفها قيماً جديدة للنجاح.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تعدد مصادر التأثير، فالتعدد سمة من سمات المجتمعات الحديثة، وإنما يكمن في تضارب الرسائل القيمية. فالأسرة تدعو إلى الصدق، بينما يشاهد الأبناء نماذج تحقق المكاسب عبر التحايل. والمدرسة تتحدث عن المواطنة، بينما يسمع الطالب خطاباً سياسياً يعزز الانقسام. والإعلام يحتفي بالنزاهة، بينما تكشف الوقائع اليومية أن الفساد ما زال قادراً على إنتاج النفوذ والمكانة.
وهنا تبدأ أخطر مراحل الأزمة؛ حين يفقد المجتمع انسجامه الأخلاقي. فالقيم لا تنهار عندما تُنتقد، بل تنهار عندما تصبح الممارسة اليومية نقيضاً لها. وما يرسخ في وعي الأجيال ليس ما يُقال، بل ما يُمارس. لذلك فإن القدوة تظل أكثر تأثيراً من آلاف الخطب والبرامج والشعارات.
كما أن الأزمة الاقتصادية، واتساع البطالة، والهجرة، وضعف الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل تضعف عملية انتقال القيم. فالمجتمع الذي ينشغل بتأمين ضروريات الحياة يجد صعوبة في الاستثمار في التربية والثقافة، بينما يدفع غياب العدالة كثيرين إلى الاعتقاد بأن النجاح لا يتحقق بالاجتهاد والكفاءة، بل بالعلاقات أو النفوذ.
إن العراق اليوم لا يحتاج إلى استعادة قيمه بقدر ما يحتاج إلى إعادة بناء البيئة التي تجعل هذه القيم قابلة للحياة. فالقيمة لا تعيش في الكتب، وإنما في المدرسة التي تطبق العدالة، وفي المؤسسة التي تكافئ الكفاءة، وفي الإعلام الذي يحترم عقل الجمهور، وفي المسؤول الذي يلتزم بما يدعو إليه.
ولهذا فإن السؤال لم يعد: ما هي القيم التي نريد نقلها؟ بل أصبح: كيف نجعل المجتمع يثق بهذه القيم مرة أخرى؟ فالثقة هي الجسر الذي تعبر عليه القيم من جيل إلى آخر. وإذا انهار هذا الجسر، فلن تستطيع أي مؤسسة، مهما امتلكت من إمكانات، أن تؤدي رسالتها في بناء الإنسان.
إن معركة العراق في السنوات المقبلة لن تكون اقتصادية أو سياسية فقط، بل ستكون معركة على الوعي والقيم. فالأمم لا تُهزم عندما تخسر معركة، وإنما عندما تعجز عن نقل منظومتها الأخلاقية إلى أبنائها. وعندما تنجح في ذلك، فإنها تمتلك القدرة على النهوض مهما تعاقبت الأزمات، لأن القيم هي رأس المال الحقيقي الذي لا تنضب عوائده.