الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق وإيران.. عندما يتحوّل مديح العدو إلى فخ

بواسطة azzaman

العراق وإيران.. عندما يتحوّل مديح العدو إلى فخ

مجاشع التميمي

 

اصبحت الحروب الحديثة مختلفة عن سابقاتها، لم تعد المعركة تُحسم بالصواريخ والدبابات وحدها، بل تحولت إلى معركة الإدراك وصناعة القرار لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية. فالعمليات النفسية لا تهدف دائمًا إلى إخافة الخصم أو تحطيم معنوياته، بل قد تسعى إلى منحه شعورًا زائفًا بالتفوق، ودفعه إلى الثقة المفرطة بقدراته، حتى يتخذ بنفسه القرارات التي يريدها خصمه.

هذه ليست نظرية مجردة، بل درس أثبته التاريخ مرارًا. فبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، ساد داخل نظام صدام حسين اعتقاد بأن العراق خرج قوة إقليمية لا يمكن تحديها. وساهمت رسائل سياسية وإعلامية غربية وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب تقديرات خاطئة للموقف الأمريكي، في ترسيخ هذا الشعور. ومع مرور الوقت، تشكلت قناعة لدى القيادة العراقية بأنها تمتلك قوة رادعة تجعل الولايات المتحدة وحلفاءها يتجنبون المواجهة المباشرة. وكانت النتيجة غزو الكويت عام 1990، وهو القرار الذي جر العراق إلى حرب مدمرة، ثم حصار طويل، وانتهى بسقوط الدولة عام 2003. لقد كان سوء الحسابات، وليس نقص القوة وحده، هو بداية الكارثة.

حسابات استراتيجية

وليس العراق المثال الوحيد. ففي الحرب العالمية الثانية نجحت بريطانيا في تنفيذ عملية “مينسميت”، عندما زرعت وثائق مزورة على جثة ضابط أُلقيت في البحر لتصل إلى الاستخبارات الألمانية، فاقتنعت القيادة النازية بأن غزو الحلفاء سيكون في اليونان، بينما كان الهدف الحقيقي جزيرة صقلية. وغيّر هذا التضليل الحسابات الاستراتيجية لألمانيا، ومهد لنجاح قوات الحلفاء. وخلال الحرب الباردة، استخدمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي المعلومات الموجهة، والتسريبات، والتحليلات المفبركة، ومصادر تبدو موثوقة، لدفع الخصم إلى اتخاذ قرارات مكلفة أو الاطمئنان إلى تقديرات خاطئة. تغيرت أدوات التضليل، لكن منطق الحرب النفسية بقي ثابتًا.

واليوم، يبرز سؤال مشابه في الحالة الإيرانية. فمن اللافت أن بعض وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية وحتى العربية، إلى جانب تصريحات مسؤولين وعسكريين متقاعدين، تتحدث أحيانًا بإسهاب عن قوة إيران وقدراتها العسكرية، وكأنها تمنحها شهادة تفوق مجانية. لكن المحلل الاستراتيجي لا ينبغي أن يكتفي بظاهر الرسالة، بل يسأل: لماذا يريد الخصم إقناع خصمه بأنه لا يُقهر؟ وهل المقصود الاعتراف بالقوة فعلًا، أم دفع صانع القرار إلى الثقة المفرطة، ومن ثم الوقوع في أخطاء استراتيجية تخدم أهداف الطرف الآخر؟

إن العبرة التي يجب أن تستفيد منها طهران اليوم هي نفسها التي تجاهلتها بغداد قبل أكثر من ثلاثة عقود.

 فالعدو لا يضللك دائمًا بالتهديد، بل قد يضللك بالإطراء. وأخطر الهزائم هي تلك التي تبدأ بخطأ في التقدير، لا بخسارة في الميدان. لذلك، فإن القراءة النقدية لكل رسالة إعلامية، مهما بدت إيجابية، أصبحت ضرورة استراتيجية، لأن الحروب الحديثة تُكسب أولًا في العقول، ثم تُحسم على الأرض.

 

 

 


مشاهدات 58
الكاتب مجاشع التميمي
أضيف 2026/08/08 - 3:47 PM
آخر تحديث 2026/08/09 - 1:13 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 8756 الكلي 16098460
الوقت الآن
الأحد 2026/8/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير