الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
التمور في زمن الملك غازي

بواسطة azzaman

فم مفتوح .. فم مغلق

التمور في زمن الملك غازي

زيد الحلي

 

أثناء تجوالي عصر الجمعة المنصرمة في الأسواق، كان الرطب سيد الحضور، يحتل موقعاً متميزاً في صدر محال البقالة، بشموخ واعتزاز.. أليس هو ذهب الأرض الأسمر، وثمرة الشجرة المباركة التي ترتبط بتاريخنا وأصالتنا؟ فالتمر عسل معلق في الهواء، وكنز غذائي يمنح الجسم الطاقة.

يكون فرحي كبيراً بمرآه في كل موسم، كما يفرح الجميع، ونظل نتحدث عن التمر وأنواعه وأسمائه. فعمتنا النخلة شجرة مباركة، والرطب نور المائدة.

اشتريت كمية قليلة منه، بما يسعد القلب والمعدة، انتظاراً لقادم الأيام، حين يقل السعر وتكثر الأنواع، وعدت فرحاً إلى البيت.

وبعد العشاء، أكثرت من تناول حبات الرطب، متبوعة بلبن رائب من صنع أم العيال، بطعم غني محبب.. ثم زرت مكتبتي لأتصفح تقريراً مهماً أحتفظ به منذ مدة طويلة، يتناول رعاية واهتمام الملك فيصل الأول، ومن بعده الملك غازي، رحمهما الله، بالتمور في العراق.

وحين أعدت قراءته، عزمت على إشراك القراء في مضمونه، ليعرفوا مقدار ما حظيت به التمور العراقية من اهتمام في ذلك الزمن، ثم يقارنوا ذلك بما آلت إليه أحوال النخلة والتمور اليوم.

إنها مقارنة محزنة حقاً.

فماذا يقول التقرير الذي حمل عنوان (قطوف من ذلك الزمان) للسيد حازم محمد الصائغ، وفيه إشارة إلى (جمعية التمور العراقية)؟

يذكر التقرير أنه في عام 1935 أصدر الملك غازي، ملك العراق، وبموافقة مجلسي الأعيان والنواب، قانوناً يقضي بتأليف لجنة غايتها النفع العام، تدعى (لجنة التمور).

وكانت اللجنة تتألف من رئيس يعينه وزير المالية ممن يمتلك خبرة واسعة في تجارة التمور أو الفواكه، وخمسة أعضاء فخريين يختارهم الوزير من بين عشرة ملاكين ينتخبهم أصحاب النخيل في لواء البصرة، وخمسة أعضاء فخريين آخرين يختارهم من بين عشرة ينتخبهم تجار تصدير التمور في البصرة، فضلاً عن سكرتير عام تتوافر فيه المؤهلات اللازمة. وكان القانون يحدد عدد الأجانب في عضوية اللجنة بما لا يزيد على ثلاثة.

وكانت هذه اللجنة امتداداً للجنة شُكلت في عهد الملك فيصل الأول عام 1932.

أما مهامها، فتدعو إلى التأمل حتى بمقاييس يومنا هذا؛ إذ كانت تشرف على تحديد أسعار التمور للمرة الأولى في كل موسم، وكلما دعت الحاجة، وتسلف الأموال إلى الملاكين المحتاجين بقدر ما تسمح به ماليتها، كي لا يضطروا إلى بيع محاصيلهم قبل تحديد الأسعار.

كما كانت تعمل على تأسيس مخازن لخزن التمور وحفظها، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع كبس التمور غير الناضجة أو الرديئة أو غير الصالحة للأكل، وتجهيز أصحاب المكابس بالصناديق والكارتون، على أن تستوفى أثمانها بعد الشحن أو في مدة تقررها اللجنة.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد كان من مهامها تأسيس مكابس نموذجية، والتعاقد مع شركات النقل لشحن التمور، وتقديم التوصيات لتحسين زراعة التمور وتجارتها وصناعتها، والدعاية للتمور العراقية في الداخل والخارج، والعمل على رواج تجارتها، بل والدخول في السوق مشترياً أو كابساً أو مصدراً عند الحاجة.

أي إننا، قبل أكثر من تسعين عاماً، كنا أمام رؤية متكاملة تبدأ من النخلة، وتمر بالمزارع والسعر والخزن والتعبئة والنقل والتسويق، وتنتهي بالتصدير إلى الخارج!

وتشير الوثيقة إلى أن «مصلحة التمور» حلّت لاحقاً محل جمعية التمور العراقية، وكانت مؤسسة شبه رسمية أنشئت لتنظيم زراعة التمور العراقية وتجارتها وصناعتها، وارتبطت بوزارة الاقتصاد من ناحية الإشراف العام، مستهدفة تحسين الإنتاج، وتطوير أساليب الكبس والتعبئة، ورفع المستوى التجاري للتمور من خلال توسيع إمكانات التصدير وإدخال التصنيع عليها.

وفعلاً، أسست المصلحة مكابس في بغداد وكربلاء والحلة والشامية وبعقوبة، فضلاً عن مكبسها في البصرة، وكان كل مكبس ينتج نحو ثلاثين طناً يومياً من التمور المنظفة والمغسولة والمعقمة، والمعبأة في صناديق أو علب صغيرة، أو المعدّة بأشكال وأحجام مختلفة.

وكانت بعض التمور تحشى باللوز والجوز، وتضاف إليها نكهات مختلفة، فتتحول الثمرة العراقية البسيطة إلى منتج غذائي مصنّع قادر على المنافسة في الأسواق.

والأكثر إثارة للدهشة أن جمعية التمور العراقية استطاعت إعداد كتيب يضم وصفات لـ(109) أنواع من الفطائر والمعجنات والحلويات التي يدخل التمر في صناعتها!

توقفت طويلاً عند الرقم: 109 وصفات، وتساءلت: إذا كان التفكير قبل عشرات السنين قد وصل إلى هذا المستوى من البحث عن قيمة مضافة للتمرة العراقية، فلماذا لا نرى اليوم مشروعاً وطنياً كبيراً يعيد للتمر العراقي مكانته، لا بوصفه محصولاً زراعياً فحسب، وإنما صناعة وهوية وعلامة تجارية عراقية تنافس في أسواق العالم؟

آنساتي وسيداتي وسادتي..

هذه ليست حكاية عن زمن مضى بقدر ما هي سؤال للحاضر، عن واقع التمور العراقية!

وأخشى أن تكون المقارنة أكثر مرارة من حلاوة التمر.

Z_alhilly@yahoo.com

 


مشاهدات 62
الكاتب زيد الحلي
أضيف 2026/08/08 - 2:42 PM
آخر تحديث 2026/08/09 - 1:38 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 140 الشهر 8796 الكلي 16098500
الوقت الآن
الأحد 2026/8/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير