حزب الطوبة يجمعنا
رشيد العجيل
في تورنتو، احتشد عشرات آلاف العراقيين من كل بقعة في الشتات، حملوا أعلامهم وذكرياتهم وحنينهم، وقطعوا آلاف الكيلومترات وصرفوا آلاف الدولارات، ليس طلباً لانتصار رياضي فحسب بل بحثًا عن لحظة توحّد نادرة يكون فيها “العراقي” هو الهوية الوحيدة التي تجمعهم. زغاريد وأهازيج وعبايات وعقال وچاكيتات تراثية، مشهد لم تشهد له أي جماهير أخرى مثيلًا. ذلك الجمهور، بصدق، كان الفريق الوحيد الذي فاز في تلك المباراة، فيما خرج المنتخب نفسه مبعثراً في الملعب، كأنما تسربت إليه عدوى الدولة المشتتة التي نعيشها منذ عقدين: لاعبون بلا تماسك، إدارة بلا رؤية، وحكام ومسؤولون جزء من نفس المعادلة التي أفرغت الدولة والكرة من روحها القتالية.
لكن المفارقة الأهم، التي تستحق أن نتوقف عندها طويلًا، ليست في خيبة النتيجة، بل في الدرس الذي تكشفه: عشرات الآلاف توحّدوا في غمضة عين خلف راية واحدة، بلا طائفة ولا حزب ولا منطقة، بينما تعجز كل شعارات المواطنة والخطابات الرسمية عن تحقيق جزء بسيط من هذا التوحّد طوال سنوات. الطوبة، بهذه البساطة، نجحت فيما فشلت فيه مؤسسات كاملة. وهذه ليست مفارقة عابرة، بل إشارة واضحة إلى أين يكمن الحل الحقيقي.
إذا كانت “الطوبة تجمعنا” أكثر من أي شعار، فهذا يعني أن الوحدة الوطنية ليست حلمًا بعيدًا، بل طاقة كامنة في كل عراقي، تحتاج فقط إلى من يحسن استثمارها بدل أن يهدرها كما يُهدر كل شيء آخر في هذا البلد. ومن هنا يجب أن يبدأ التفكير الجاد: لماذا لا نجعل من هذه الطاقة بداية لإصلاح حقيقي وسلم مجتمعي مستدام، بدل أن نتركها فرحة مؤقتة تنطفئ مع صافرة نهاية المباراة؟ الجواب يبدأ من سؤال أصعب: من يقود هذا التحول؟ ولماذا تتكرر خيبتنا في كل قطاع تديره نفس الوجوه بنفس المنطق؟
الإصلاح لا يأتي من الشعارات، ولا من تغيير الوجوه بوجوه أخرى من نفس الطينة. الإصلاح يبدأ بتقدّم “المخلصين” – أولئك الذين ما زالوا يحملون كفاءة وضميرًا ولم تستهلكهم المحاصصة – ليأخذوا مواقعهم في إدارة الدولة، ومنها إدارة الرياضة وكرة القدم، لأن هذا القطاع، كما أثبتت تورنتو، هو أقصر طريق إلى قلب الشارع العراقي، وأكثر مساحة قادرة على ترجمة الوحدة الشعورية إلى مشروع وطني ملموس. اتحاد رياضي تقوده كفاءات حقيقية، بمعايير اختيار قائمة على الجدارة لا الولاءات، باستثمار جاد في الأكاديميات والملاعب، ومساءلة صريحة لكل مقصّر من اللاعب إلى المسؤول، ليس تفصيلًا رياضيًا بسيطًا، بل نموذج مصغّر لما يجب أن تكون عليه الدولة كلها.
فإذا استطاع المخلصون أن يحوّلوا إدارة الكرة إلى مثال ناجح للكفاءة والشفافية والانضباط، فإنهم بذلك لا يصلحون قطاعًا رياضيًا فحسب، بل يقدّمون للعراقيين دليلًا عمليًا على أن الإصلاح ممكن، وأن السلم المجتمعي الذي نحتاجه ليس شعارًا آخر يُضاف إلى لائحة الشعارات الفاشلة، بل نتيجة طبيعية لإدارة رشيدة تحترم طاقة الناس ولا تهدرها. حين يرى الشارع نموذجًا ناجحًا واحدًا، حتى لو بدأ من ملعب كرة قدم، تتولد لديه الثقة بأن النموذج قابل للتكرار في كل مكان آخر: في الصحة، في التعليم، في الخدمات، في إدارة الدولة بمجملها. العراق لا يحتاج اليوم إلى من يكرر الشعارات في كل خطاب، بل إلى من يفهم أن الطوبة – بكل بساطتها – علّمتنا أن الوحدة ممكنة حين تتوفر القيادة الصادقة. فلنجعل من هذا الدرس بداية طريق: تقدّم المخلصين لإدارة الرياضة أولًا، كنموذج يُحتذى، وبعده لكل مفاصل الدولة، حتى تتحول لحظات الفرح العابرة في المدرجات إلى سلم مجتمعي دائم، وإلى عراق يرى أبناؤه فيه أنفسهم، أخيرًا، فريقًا واحدًا لا يُهزم.