الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
اللوبي الإسرائيلي ومسار التفاوض مع إيران

بواسطة azzaman

اللوبي الإسرائيلي ومسار التفاوض مع إيران

 

علي موسى الكناني

 

مع عودة المفاوضات الأميركية الإيرانية التي تستضيفها سويسرا إلى واجهة الاهتمام الدولي، يتجدد الجدل حول العوامل التي تتحكم بمصير هذا المسار الدبلوماسي، ومدى قدرة الأطراف المؤثرة داخل الولايات المتحدة على توجيه مساره. ويبرز في مقدمة هذه العوامل تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، التي غالبًا ما تُطرح باعتبارها أحد أبرز اللاعبين في رسم ملامح السياسة الأميركية تجاه إيران، إلا أن اختزال مسار المفاوضات بهذا العامل وحده لا يعكس الصورة الكاملة، في ظل تشابك المصالح الاستراتيجية وتعقيد التوازنات الإقليمية والدولية.

اعتبارات امنية

لا شك أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل تمتلك حضورًا سياسيًا وإعلاميًا مؤثرًا داخل الولايات المتحدة، وتسعى باستمرار إلى ضمان أن تظل الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية جزءًا أساسيًا من أي مقاربة أميركية للملف الإيراني. ومن خلال علاقاتها الواسعة مع أعضاء الكونغرس ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام، تعمل هذه الجماعات على الدفع باتجاه تبني سياسات أكثر تشددًا تجاه طهران، ولا سيما فيما يتعلق ببرنامجها النووي وبرنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي.

وقد تجسد هذا التأثير بصورة واضحة خلال المفاوضات التي سبقت التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، عندما قادت شخصيات ومؤسسات مؤيدة لإسرائيل حملة سياسية واسعة ضد الاتفاق، معتبرة أنه لا يوفر ضمانات كافية لمنع إيران من تطوير قدراتها النووية مستقبلاً. كما شكل الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتنياهو أمام الكونغرس الأميركي محطة بارزة في محاولة التأثير على الرأي العام الأميركي وصناع القرار، إذ حذر آنذاك من أن الاتفاق المقترح سيمنح طهران مساحة أوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي.

ولم يقتصر هذا التأثير على الحملات السياسية والإعلامية، بل امتد إلى دعم تشريعات داخل الكونغرس هدفت إلى تشديد العقوبات على إيران أو فرض شروط إضافية على أي اتفاق محتمل. وفي كثير من الأحيان، كانت هذه الضغوط ترفع الكلفة السياسية أمام أي إدارة أميركية تسعى إلى إبداء مرونة تفاوضية مع طهران، ما يدفعها إلى اعتماد مواقف أكثر تحفظًا خشية التعرض لانتقادات داخلية.

ومع ذلك، فإن قراءة المشهد من زاوية اللوبي المؤيد لإسرائيل وحده تبقى قراءة غير مكتملة. فالسياسة الأميركية تجاه إيران تخضع قبل كل شيء لحسابات الأمن القومي الأميركي، ولرؤية الإدارات المتعاقبة بشأن أفضل السبل لمنع الانتشار النووي والحفاظ على استقرار المنطقة. كما تلعب الانقسامات الحزبية داخل الولايات المتحدة دورًا مؤثرًا، إذ يميل الجمهوريون غالبًا إلى تفضيل سياسة العقوبات والضغط، بينما ينظر قطاع من الديمقراطيين إلى الدبلوماسية باعتبارها أداة أكثر فاعلية في إدارة الأزمة، وإن كان ذلك لا يلغي وجود تباينات داخل الحزبين أنفسهما.

في المقابل، لم تكن العقبات التي واجهت المفاوضات ناتجة عن الموقف الأميركي وحده، إذ تمسكت إيران في أكثر من جولة تفاوضية بشروط اعتبرتها واشنطن صعبة التنفيذ، وفي مقدمتها رفع العقوبات بصورة كاملة والحصول على ضمانات قانونية تحول دون انسحاب أي إدارة أميركية مستقبلية من الاتفاق، وهو مطلب يصعب تحقيقه في ظل طبيعة النظام الدستوري الأميركي. كما بقيت قضايا تخصيب اليورانيوم وآليات التفتيش الدولية من أبرز نقاط الخلاف التي أعاقت التوصل إلى اتفاق شامل.

تطورات اقليمية

إلى جانب ذلك، لعبت التطورات الإقليمية دورًا مهمًا في تعقيد المشهد التفاوضي. فكلما شهد الشرق الأوسط تصعيدًا عسكريًا أو أمنيًا، سواء في لبنان أو سوريا أو العراق أو منطقة الخليج، ازدادت الضغوط على صناع القرار في واشنطن لتبني سياسات أكثر تشددًا تجاه إيران، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أجواء المفاوضات وأضعف فرص تحقيق اختراقات سياسية سريعة.

ومن منظور استراتيجي، يبدو أن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل لا تمتلك القدرة على فرض قراراتها بصورة مطلقة إذا كانت الإدارة الأميركية ترى أن الاتفاق مع إيران يحقق مصالحها العليا. غير أن هذه الجماعات تستطيع رفع كلفة أي اتفاق سياسي، وإبطاء وتيرة التفاوض، والتأثير في طبيعة الشروط المطروحة على طاولة المباحثات. وبذلك، فإن دورها يمكن وصفه بأنه عامل ضغط مؤثر، لكنه ليس العامل الحاسم في تحديد مصير المفاوضات.أما على مستوى المستقبل، فإن المشهد لا يوحي بقرب التوصل إلى اتفاق شامل يعيد صياغة العلاقة بين واشنطن وطهران، كما لا يشير في الوقت ذاته إلى انهيار كامل للمسار الدبلوماسي. فالإدارة الأميركية تدرك أن غياب أي تفاهم مع إيران قد يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد الإقليمي، بينما تدرك طهران أن استمرار العقوبات الاقتصادية يفرض عليها الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة مهما بلغت حدة الخلافات.وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار المفاوضات ضمن مسار طويل ومعقد، قد يفضي إلى تفاهمات مرحلية أو اتفاقات محدودة تعالج بعض الملفات دون الوصول إلى تسوية شاملة. أما احتمال انهيار المفاوضات بالكامل، فيظل مرتبطًا بحدوث تطورات استثنائية، مثل اندلاع مواجهة عسكرية واسعة أو حدوث تغيرات سياسية جذرية داخل الولايات المتحدة أو إيران تدفع الطرفين نحو خيارات أكثر تصعيدًا.

في المحصلة، لا يمكن إنكار تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في البيئة السياسية الأميركية، لكنها تبقى جزءًا من منظومة أوسع تتحكم في صناعة القرار داخل واشنطن. فنجاح أو فشل المفاوضات الأميركية الإيرانية يظل رهين توازن معقد بين المصالح الأميركية والإيرانية، والتطورات الإقليمية، والانقسامات الداخلية في كلا البلدين، بما يجعل هذا الملف واحدًا من أكثر ملفات السياسة الدولية تعقيدا وصعوبة في الوصول إلى حلول نهائية.

 


مشاهدات 18
الكاتب علي موسى الكناني
أضيف 2026/06/28 - 3:06 PM
آخر تحديث 2026/06/29 - 3:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 161 الشهر 27556 الكلي 15903037
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير