الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حرية المعتقد في القانون العراقي

بواسطة azzaman

حرية المعتقد في القانون العراقي

علي ستار الربيعاوي

 

يُشكّل الدين أحد العناصر الجوهرية في تكوين الشخصية الإنسانية وبناء الهوية الثقافية والاجتماعية للأفراد والجماعات، لذلك أصبح احترام المعتقدات الدينية وحمايتها ضرورة قانونية وأخلاقية لضمان السلم المجتمعي والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع.

ومنذ تأسيس الدولة العراقية، أكدت القوانين والدساتير المتعاقبة على ضرورة احترام الحرية الدينية وحرية المعتقد، بل إن تنظيم شؤون الأحوال الشخصية للطوائف الدينية سبق قيام الدولة الحديثة من خلال بيان المحاكم رقم (6) لسنة 1917، مروراً بالتشريعات اللاحقة والتعديلات القانونية المختلفة.

وترجم الدستور العراقي لسنة 2005 الدائم رؤية العراق في احتضان التنوع الديني والمذهبي، فنصت المادة (3) على أن العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب، كما أكدت المادة (2/ثانياً) ضمان كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية. ثم جاءت المادة (41) لتؤكد أن العراقيين أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم، أو مذاهبهم، أو معتقداتهم، أو اختياراتهم، فيما نصت المادة (42) على أن لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة.

شعائر دينية

أما المادة (43) فقد كانت أكثر وضوحاً حين نصت على أن أتباع كل دين أو مذهب أحرار في ممارسة الشعائر الدينية، بما فيها الشعائر الحسينية، وأن الدولة تكفل حرية العبادة وحماية أماكنها، وهو تأكيد دستوري صريح على حماية الممارسات الدينية وصونها من أي اعتداء أو تقييد خارج إطار القانون.

ولم تكن هذه النصوص بمعزل عن التطور العالمي في مجال حقوق الإنسان، فقد كرّست المواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 هذا الحق، عندما نصت المادة (18) منه على أن لكل إنسان حقاً في حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل حرية اعتناق أي دين أو معتقد يختاره وممارسة شعائره بحرية.

ولأن الحقوق لا تكتمل إلا بوجود ضمانات تحميها، وضع المشرّع العراقي عقوبات جزائية لكل من يتجاوز على المشاعر الدينية أو يعتدي على مقدسات الآخرين. فقد نصت المادة (372) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل على معاقبة من يعتدي علناً على معتقدات إحدى الطوائف الدينية أو يحقر من شعائرها، أو يتعمد التشويش على إقامة الشعائر والاحتفالات الدينية، أو يسيء إلى الرموز والشخصيات الدينية محل التقديس والاحترام، أو يعتدي على دور العبادة والمقدسات الدينية. وقد قرر القانون لهذه الأفعال عقوبة الحبس أو الغرامة، تأكيداً لحرمة المعتقد وصيانة السلم المجتمعي.

ومن خلال هذه المنظومة الدستورية والقانونية يتضح أن حرية المعتقد في العراق ليست مجرد مبدأ نظري، بل حق دستوري مكفول وحماية قانونية واجبة، هدفها ترسيخ التعايش واحترام التنوع الديني والمذهبي في المجتمع.

إن تنوع الأديان السماوية والمذاهب المختلفة لا تلغي وحدة رسالتها الإنسانية، فهي تسعى إلى الارتقاء بالإنسان أخلاقياً وسلوكياً، وترسخ مبادئ الكرامة والاعتدال والتعايش بين أبناء المجتمع. وحين يحمي القانون حق الإنسان في أن يؤمن بما يشاء، وأن يمارس شعائره بحرية واحترام، فإنه لا يحمي فرداً أو طائفة بعينها، بل يحمي استقرار المجتمع بأكمله، ويؤسس لوطنٍ تكون فيه المواطنة هي الجامعة الكبرى لجميع أطياف المجتمع واقوى من كل أشكال الاختلاف.


مشاهدات 48
الكاتب علي ستار الربيعاوي
أضيف 2026/06/22 - 4:06 PM
آخر تحديث 2026/06/23 - 1:49 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 97 الشهر 21775 الكلي 15897256
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/6/23 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير