المونديال وخصر المغنّية شاكيرا
نعيم عبد مهلهل
تظهر شاكيرا على المسرح الفخم وسط ساحة ملعب افتتاح المونديال العالمي لكرة القدم، وتهتز على خصرها موسيقى سريعة الإيقاع، ترافقها دهشة الرقص والجسد الرشيق والإيجابية المثيرة في حركاتها وفرقتها الراقصة. إنها تحمل وجه كولومبيا ولهجتها الإسبانية الضاحكة، وإرث السرد من غابرييل غارسيا ماركيز الذي كان يكتب لها رسائل الغزل، وكانت ترد عليه بابتسامات إباحية مثيرة لتقول له: أنت كولومبيا وأنا من بعدك. المدرجات والجماهير تتمايل مع صوتها. من يعرفون الإسبانية ومن لم يعرفوها، كلهم يتمايلون مع إيقاع أنثى من الموز، وكأنها تحوّل العولمة إلى لغة من الموسيقى واختراع الفرح والحب والجمال. اختيرت شاكيرا أكثر من مرة لأنها تتحرك بصوتها وخصرها وموسيقاها كما تتحرك كرة القدم، فتشعر أن صوتها يبث الحماس في لاعبي الفرق ويبذلون جهدًا أكبر. وكان رونالدو يعتبرها مطربته المفضلة، وفي فترة من حياتها كانت زوجة لمدافع برشلونة الشهير جيرارد بيكيه. ومع مواعيد مباريات المجموعات، ومنها مواعيد مباريات منتخبنا الوطني، أتذكر شغف المطربة الكولومبية بالموسيقى العربية. وقد عشت مع أحداث المونديال متعة سماع ومشاهدة المقدمة الأسطورية التي وضعها خالد الذكر الملحن محمد عبد الوهاب لأغنية أم كلثوم «أنت عمري»، وهي تتمازج مع خصر المطربة الكولومبية شاكيرا، التي أدّت رقصة إيمائية ساحرة مع نغم تلك المقدمة المجنونة التي ظلت ومازالت تعيدنا إلى خيال أزمنة الحلم والشوق والمتعة، وسريالية بيوت الطين والبناطيل الأحادية الملبس، أي بنطلون واحد «لكل الفصول». ليس بسبب موضة اخترعها إيف سان لوران، بل لأننا بسبب الفقر والعوز لا نملك غير هذا البنطلون. موسيقى أغنية «أنت عمري» هي في تقديري واحدة من مميزات شرقية القرن العشرين، وهي تصلح مزاجًا لكل ثقافات الشعوب. إنها مسحة ضوء خلابة تهجس برقة ونعومة، تشعرك بغياب الوقت في البدن والحاجة لمن تشتاق إليها، ويواسيك على هذه البلوى: الدبابة الأمريكية، تنظيم القاعدة، أبدية الملوك ورؤساء الجمهوريات على الكراسي، الأزمة المالية، ثقافة الفضاءات، وسحر ورموش مذيعات فوكس وروتانا والقنوات الإخبارية. إنها مقدمة موسيقية للتيه في غياب اللحظة المشحونة بحلم إمساك الزمن من العنق وإعادته إلى الوراء، كمن يعيد ظل الانتظار تحت نافذة الحبيبة.
ولهذا عندما أدّت شاكيرا على وقع هذا النغم الفرعوني رقصتها الأمريكية الجنوبية الممزوجة بأصول المطربة الشرقية، تاه كل شيء في رأسي ولم أعد أعرف إن كان كارل ماركس مدفونًا في مقبرة في لندن، أو في المقبرة الملكية بأعظمية بغداد. واختلط لدي المفهوم في نية الفلفل الأحمر: هل يريد حرق القلب أم أطراف اللسان فقط؟
حتى إني شككت في قدرة متصوفة جوامع القاهرة على إمساك الضوء، وتحويله إلى دعابة فراش بين كليوباترا وأحمد عدوية.لقد كانت شاكيرا ترينا وهج اللذة المرسوم على طيات بطنها الراقصة، كمن تريه أمه حلمة الرضاع بعد ألف عام من الفطام. إنها دهشة الشعر عندما ترى في الخصر أشواق الحنين لكل ما تتمناه. ولا أدري لماذا تُظهر شاكيرا بطنها مساحة مكشوفة للرائي ومتعته في كل أغانيها الراقصة. حينها لم أعاتب غابرييل ماركيز عندما أهداها مديحًا أسطوريًا واعتبرها واحدة من أجمل مشهيات العصر.كنت أشاهد شاكيرا في افتتاح المونديال وأتمنى لو أنها رقصت على موسيقى «أنت عمري» المنحوتة كما الأهرامات على خاصرة شاكيرا، فأطير كما حمام الدوح من حلب حتى البصرة دون أن أدفع قرشًا واحدًا كرشوة إرضاء لموظف الحدود والجمارك. وربما انتبهت إلى ملاحظة ليست مهمة، ولكنها تخلق قرين الشوق مع التمتع بأداء هكذا نغم عجيب في المقدمة الموسيقية لأغنية «أنت عمري».فعندما أدّتها المرحومة سهير زكي بإجادة السياسي الشاب في خطابه البرلماني، لم تترك بطنها مكشوفة لإيحاء جنون العمدة «أبو شنب» الجالس أمامها، فقد غطّتها بقماش شفاف لإغراء أكثر، كما يفعل إغراء الخمار على وجه المرأة المتسوقة في خان الخليلي أو شارع الحمراء أو سوق الحميدية بدمشق أو كرادة بغداد أو سوق ملوك العطر في مراكش. وانتبهت إلى أن أي راقصة من ذلك العصر الملحمي لم تترك مساحة البطن مكشوفة، بل كان القماش الشفاف هو من يغطي هذه المنطقة الحساسة والاستراتيجية التي هي سبب كل التوترات بين الكوريتين، وبين السوفييت والأمريكان، وطالبان وحامد كرزاي... إلخ. ومن ينتبه إلى رقصة ذلك الرهط المدهش: سامية جمال، تحية كاريوكا، فيفي عبده، نعيمة عاكف، سهير زكي، نادية لطفي في فيلم «أبي فوق الشجرة»، يكتشف ذلك. هذا الاكتشاف الذي يقودنا إلى الغرق في متعة الأماني ونسيان هموم العولمة وإغراءاتها، كفيل بجعل هكذا مقطوعات أيديولوجية علاجًا شافيًا لكل العقد النفسية والمالية والحضارية التي تجتاح حياتنا. فأنا مثلًا شاهدت «أنت عمري» على خصر شاكيرا وكأنني أشاهد مراهقتي وطفولتي، والمعارك التي أجبرتني فيها الحرب لأن أكون جنديًا عند الحافة الجنوبية من دمعة الوطن. بل ومع رقصة شاكيرا وضوء عينيها استعدت كل قراءاتي لروايات ماركيز ونجيب محفوظ وجدتي «مشتهاية»، فوجدت أن الوعي مع مقدمة «مهبولة» مثل «أنت عمري» كفيل بأن يعيد الزمن إلى الوراء، كمن يعيد ثورًا هائجًا إلى حظيرته. أنصحكم بالتفتيش عنها لتتمتعوا بشجن الموج عندما يطفح على زجاج خصر واحدة عذبة مثل البوظة الإيطالية.وأنصح نفسي لأستعيد مقالًا شعريًا كتبته أنا ذات يوم عندما قرأت مقال ماركيز عن شاكيرا، وأظن أنني نشرته في «الزمان» اللندنية قبل أعوام بعنوان: «ماركيز يكتب عن شاكيرا وأنا أكتب عن شاكيرا وماركيز». فاقرأوه رحم الله آباءكم..!
((بهيةٌ أنتِ كبهاء الصبح بقرية عمري الأهوارية، يصفك ماركيز بأنك كثمرة المانجو مليئة بفيتامينات الشعر، وأن مراهقتك علّمت ماجلان الدوران على نفسه، وأن نهديك أنسيا الحلاج حسه، وأن رحمك كان حديقة تهوى إسكان الديناصورات، وأن قلبك محطة إذاعة سوا، وأن أصابعك غيوم استوائية أمطرت على الشطرة، فافتتح الرئيس محطة بث الأحزان من بلاد الرافدين..!نحن لا نصفق، يمنعنا البطريق من ذلك، وبالرغم من هذا يقول بورخيس: حين يمنعنا أحد من إظهار بهجتنا فإن قلوبنا تصفق..القلوب تصفق، تلك عبارة في غاية الرومانسية، عبارة وُلدت في برج الدلو حيث وُلدت شاكيرا. نحن هنا في الجنوب نولد في أبراج الدجاج، هذا قدرنا مع البيض المسلوق. نعيش سفراتنا المدرسية عندما كانت أور وجه التاريخ، وكانت أمي تطبخ الأمل بالفلس، والفلس برأس الخس، ورأس الخس بموسيقى شبعاد. سترقص شاكيرا الليلة عندما أنهي قصة ماركيز الطويلة...!هذا نص بعاطفة سومرية يعلق عليه الكاتب الكولومبي بأنه: تناص يستنكر رمي الرصاص. الأغاني وحدها ينبغي أن تبقى، تشيّد أملًا للثوار وأهل الكار، وتطرد فلول الاستعمار، وشاكيرا تصلح أن تكون قبعة لجيفارا أو سيجارًا في فم الطيب لينين، تصلح أن تكون قيثارًا في يد فيكتور جارا، وحنجرة في حلق المنسيين من أبناء الأهوار، بأرض الأهوار جنوب المودة والأشعار..تصلح أن تكون دمية في قرية صحراوية بإثيوبيا، أو قرطًا حديديًا في أذن طفلة في الأمازون. أيًّا كانت، هي سفيرة وأميرة، هكذا يقول ماركيز عنها..!لقد كتب عنها بحب، وأنا أكتب عنهما بحب أيضًا، وأصفق لها بحرارة من على مدرج ملعب المونديال.))