ماذا ربحت أمريكا من الحرب على إيران؟
قراءة إستراتيجية من منظور الفلسفة الحضارية
محمد عبد الجبار الشبوط
ليس السؤال الجوهري بعد الحرب الأميركية ـ الإيرانية هو: من أطلق الصاروخ الأخير؟ ولا من أعلن النصر أولاً؟ فهذه أسئلة دعائية تصلح للخطاب التعبوي، لكنها لا تكفي لفهم النتائج الاستراتيجية. السؤال الأعمق هو: ماذا تغيّر فعلاً في ميزان القوة، وفي بنية الردع، وفي موقع كل طرف داخل النظام الإقليمي والدولي؟
من منظور الفلسفة الحضارية، لا تُقاس الحروب بما تعلنه الدول من أهداف، بل بما تحققه من نتائج حضارية وسياسية قابلة للاستمرار. فإذا كان مضيق هرمز مفتوحاً قبل الحرب، فلا يصح عدّ فتحه إنجازاً أميركياً إلا إذا كانت الحرب نفسها قد ساهمت في إغلاقه أو تهديده. وإذا كانت إيران تعلن قبل الحرب أنها لا تسعى إلى امتلاك السلاح النووي، فلا يصح عدّ تجديد هذا الالتزام نصراً أميركياً حاسماً. الإنجاز الحقيقي يجب أن يكون إضافة استراتيجية جديدة، لا إعادة إنتاج لوضع سابق بثمن أعلى.
ضغط عسكري
ما حققته الولايات المتحدة، في الحد الأدنى، هو إعادة فرض منطق الضغط العسكري بوصفه جزءاً من التفاوض. فقد أرادت واشنطن أن تقول لإيران إن التفاوض لا يجري فقط على الطاولة، بل تحت سقف القوة أيضاً. وحققت كذلك قدراً من طمأنة حلفائها الإقليميين بأنها ما زالت قادرة على التدخل، وأنها لم تنسحب كلياً من معادلة الشرق الأوسط. كما نجحت في تحويل الملف الإيراني من ملف نووي فقط إلى ملف أوسع يشمل الردع، وحركة الملاحة، وسلوك إيران الإقليمي، وحدود نفوذها.
لكن هذه المكاسب ليست مجانية ولا كاملة. فالولايات المتحدة لم تُسقط النظام الإيراني، ولم تُلغِ القدرة الإيرانية على المناورة، ولم تحصل بالضرورة على اتفاق أفضل جذرياً من حيث الجوهر إذا كان الناتج النهائي هو وقف التصعيد، وتعهدات نووية عامة، وإعفاءات نفطية، وترتيبات مؤقتة. بل إن واشنطن خسرت شيئاً مهماً: فقد كشفت الحرب أن القوة الأميركية، رغم تفوقها الهائل، لا تستطيع وحدها إنتاج نظام إقليمي مستقر. تستطيع أن تضرب، لكنها لا تستطيع أن تبني توازناً حضارياً دائماً بالقصف وحده.ج
أما إيران، فقد خسرت مادياً وعسكرياً وسياسياً. تعرضت بنيتها الدفاعية والاقتصادية لضغط كبير، ووجدت نفسها مضطرة إلى التفاوض تحت النار، وهذا بحد ذاته خسارة في صورة القوة والسيادة. كما أن أي قبول بترتيبات رقابية أو تهدئة طويلة يعني أن طهران اضطرت إلى إعادة حساباتها، وأنها لم تعد قادرة على إدارة الصراع بالتصعيد المفتوح من دون كلفة داخلية وخارجية عالية.
لكن إيران، في المقابل، لم تخرج مهزومة بالكامل. فقد بقي النظام قائماً، وبقيت الدولة قادرة على التفاوض، وبقيت أوراقها الإقليمية حاضرة، واستطاعت أن تجعل رفع العقوبات أو تخفيفها جزءاً من أي تسوية لاحقة. وإذا حصلت على إعفاءات نفطية أو تحرير أصول مالية أو اعتراف عملي بدورها في أمن الخليج، فإنها تكون قد حوّلت بعض خسائر الحرب إلى مكاسب تفاوضية.
حساب الربح والخسارة، إذن، لا يعطي نصراً صافياً لأي طرف. الولايات المتحدة ربحت لحظة ضغط وردع، لكنها لم تربح سلاماً مستقراً. وإيران خسرت جزءاً من هامشها العسكري والسياسي، لكنها لم تفقد قدرتها على البقاء والمساومة. كلا الطرفين خرج من الحرب وهو يعرف أن استمرارها أعلى كلفة من إنهائها، وأن التسوية، مهما كانت ناقصة، أقل خطراً من حرب مفتوحة لا يملك أحد ضمان نهايتها.
عقل سياسي
والأخطر أن الحرب كشفت حدود العقل السياسي القائم في المنطقة. فالعقل العسكري يرى أن المشكلة تُحل بالقوة. والعقل الأيديولوجي يرى أن الصمود وحده يكفي لصناعة النصر. أما العقل الحضاري فيرى أن القوة من دون رؤية تتحول إلى تدمير، وأن الصمود من دون مشروع يتحول إلى استنزاف، وأن الدولة لا تنتصر حقاً إلا إذا حفظت الإنسان، والسيادة، والتنمية، والسلام، والكرامة معاً.
ما بعد الحرب لن يكون عودة بسيطة إلى ما قبلها. ستدخل المنطقة مرحلة تفاوض قلق، لا سلام نهائي ولا حرب شاملة. ستسعى واشنطن إلى تثبيت معادلة ردع جديدة. وستسعى طهران إلى ترميم قوتها واستعادة اقتصادها وتقليل خسائرها. وستحاول دول الخليج حماية مصالحها بين الطرفين. أما إسرائيل فستراقب أي تسوية أميركية ـ إيرانية بقلق، لأنها لا تريد اتفاقاً يمنح إيران فرصة تنفس طويلة.
الخلاصة أن أميركا لم تحقق نصراً حضارياً، بل حققت مكسباً تكتيكياً محدوداً داخل أزمة كبرى. وإيران لم تحقق انتصاراً، لكنها منعت الهزيمة الكاملة. أما المنطقة فقد دفعت، كالعادة، ثمن غياب مشروع حضاري مشترك للأمن والسلام والتنمية.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى عقل سياسي جديد في الشرق الأوسط، عقل لا يحوّل الممرات البحرية إلى رهائن، ولا يجعل الطاقة أداة ابتزاز، ولا يختزل السيادة في الصواريخ، ولا يختزل الأمن في القواعد العسكرية. المطلوب هو انتقال المنطقة من منطق الردع المتبادل إلى منطق العمران المتبادل، ومن حرب المواقع إلى دولة القيم، ومن إدارة الأزمات إلى بناء نظام إقليمي حضاري يضع الإنسان قبل السلاح، والتنمية قبل الهيمنة، والسلام قبل أوهام النصر.