الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدولة في مواجهة إمبراطورية النفوذ

بواسطة azzaman

الدولة في مواجهة إمبراطورية النفوذ

محمد حمزة الجبوري

 

ليست المشكلة في الدول حين تفتقر إلى القوانين بل حين تمتلك القوانين وتعجز عن فرضها؛ فالدولة لا تقاس بعدد المؤسسات التي تملأ الخرائط الإدارية ولا بحجم التشريعات المكدسة في الأدراج وإنما بقدرتها على جعل الجميع يقفون تحت سقف القانون وعندما يصبح النفوذ أقوى من القانون تتحول الدولة إلى متفرج في معركة تدور على أرضها؛ في العراق لم يعد الحديث عن الفساد مجرد حديث عن موظف مرتش أو مسؤول استغل منصبه لتحقيق منفعة شخصية وانما عن منظومات متشابكة من المصالح والعلاقات والنفوذ  استطاعت عبر السنوات أن تبني لنفسها إمبراطورية موازية للدولة؛ إمبراطورية لا ترفع علماً لكنها تمتلك قدرة على التعطيل والتأثير والتوجيه تفوق أحياناً ما تمتلكه مؤسسات رسمية كاملة!

هذه الإمبراطورية لا تخشى الفقر لأنها تقتات على المال العام ولا تخشى القانون لأنها اعتادت الالتفاف حوله ولا تخشى الرأي العام لأنها تراهن دائماً على ذاكرة مثقلة بالأزمات؛ إنها منظومة تعرف جيداً أن بقاءها مرهون بإضعاف الدولة وقضم مخالب المحاسبة، لأن الدولة القوية تعني نهاية الامتيازات غير المشروعة وبداية المساءلة وكسر عظام الفاسدين

؛ المفارقة أن الجميع يعلن انحيازه للدولة لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتعارض مصالح النفوذ مع مقتضيات القانون؛ عندها ينكشف الفارق بين من يؤمن بالدولة كمشروع وطني ومن يتعامل معها كغنيمة قابلة للتقاسم؛ إن معركة الدولة مع أصحاب النفوذ ليست معركة سياسية عابرة، بل معركة وجود؛  فإما أن تنتصر هيبة المؤسسات على سطوة المصالح ويبزغ فجر الدولة، وإما أن يستمر نزيف الثقة بين المواطن والدولة بالتزامن مع نزيف المال العام وهذا لعمري الانسداد والتوقف واليأس الاقتصادي؛  فالدولة التي تعجز عن استرداد حقوقها، و حماية مواردها، أو محاسبة المتجاوزين على القانون، تفتح أبوابها تدريجياً أمام سلطات بديلة تنمو في الظل وتتمدد على حساب المصلحة العامة وبالتالي تعاظم قوى الفساد على حساب تعاظم قوى الدولة؛ لقد أثبتت تجارب الأمم أن النفوذ مهما تضخم يبقى هشاً أمام دولة تمتلك الإرادة والقوة في فرض القانون والهيبة أما حين تتردد الدولة أو تتراجع، فإن أصحاب النفوذ يفسرون ذلك باعتباره ضوءاً أخضر لمزيد من التوسع؛ ما يستدعي تعزيز المسائلة الشعبية ودعم مؤسسات الدولة سيما المؤسسة القضائية جماهيريا وأطلاق حملات اجتماعية واسعة النطاق توازي جسامة الفساد المتزايد ذلك لأن تعقب منابع الفساد و مناهضة دعاة الهدم الاقتصادي مسؤولية تضامنية وصولا الى انقاذ الدولة من الهيمنة.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس هل توجد إمبراطورية نفوذ؟ بل متى تتحول إرادة بناء الدولة إلى قوة قادرة على تفكيكها؟ فالأوطان لا تنهار حين يسرقها الفاسدون فحسب، بل حين يعتاد الناس رؤية الفساد وكأنه قدر لا يمكن تغييره ما يتطلب وعيا متناميا وصحو حضارية تقلب المعتاد

وعند هذه النقطة تحديداً، لا تكون المعركة بين الدولة وإمبراطورية النفوذ مجرد صراع على السلطة أو المال، بل صراع على معنى الدولة نفسها.

 

 

 

 


مشاهدات 62
الكاتب محمد حمزة الجبوري
أضيف 2026/06/13 - 3:15 PM
آخر تحديث 2026/06/14 - 4:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 217 الشهر 13000 الكلي 15888481
الوقت الآن
الأحد 2026/6/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير