الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أسود الرافدين في بوسطن.. الملعب منبر للوجود والعراق يعيد تعريف نفسه أمام العالم

بواسطة azzaman

أسود الرافدين في بوسطن.. الملعب منبر للوجود والعراق يعيد تعريف نفسه أمام العالم

كاظم نزار الركابي

 

في عام 1986، حين وقف أسود الرافدين على أرض المكسيك في أول مشاركة عراقية في نهائيات كأس العالم، كانت المدافع تدوي على الحدود الشرقية، وكانت الأمهات العراقيات يُحصين أبناءهن بين نشرات الحرب ومواعيد المباريات. ومع ذلك، حين دخل المنتخب العراقي ملعبه الأول في تلك البطولة، توقف العراقيون عن كل شيء. صار الأحد عشر لاعبًا بلدًا كاملًا. وصارت الكرة، في تلك اللحظة النادرة، هدنة قصيرة بين وطن جريح وحلمٍ لا يريد أن يموت.

أربعون عامًا مرّت. وها هو العراق يعود.

في مساء السادس عشر من حزيران بتوقيت بوسطن، وفجر السابع عشر بتوقيت بغداد، سيقف أسود الرافدين في ملعب جيليت ستاديوم أمام المنتخب النرويجي. خلفهم أربعة عقود من الغياب، وأجيال كاملة وُلدت بعد مونديال المكسيك، ولم ترَ منتخبها في هذا المسرح الكوني إلا في الذاكرة الجماعية، وأشرطة اليوتيوب، وحكايات الآباء الذين لا يزالون يتذكرون أسماء ذلك الجيل كما تُستعاد أسماء المدن البعيدة.لكن ما ينتظر العراق في بوسطن أكبر من مباراة. إنها فرصة أن يقول للعالم، بلغة لا تحتاج إلى ترجمة: نحن هنا. جرّبنا الحروب، والحصار، والانقسام، والإرهاب، والمنعطفات القاسية، وبقينا. وهذا البقاء، حين يرتدي قميص المنتخب، يتحوّل من ذاكرة ألم إلى إعلان وجود.

الغياب الذي لم يُطفئ الجمرة

أربعون عامًا خارج المونديال ليست رقمًا رياضيًا فقط. إنها خريطة مكثفة لكل ما عبره العراق: حرب بعد حرب، وانقطاع بعد انقطاع، وبلد يركض أحيانًا خلف الحياة قبل أن يركض خلف الكرة. ومع ذلك، لم تنطفئ الجمرة. ظلّت الملاعب العراقية تُنجب الموهبة، وظل الجمهور يحفظ أسماء لاعبيه، وظلت الكرة، رغم قسوة الظروف، إحدى اللغات القليلة التي يجتمع حولها العراقيون دون حاجة إلى وساطة سياسية أو ترجمة اجتماعية.وحين جاء التأهل أخيرًا، لم يكن الفرح احتفالًا رياضيًا عابرًا. كان إحساسًا عميقًا بأن العراق قادر على أن يُنجز حين يبدو كل شيء ضده. وهذا الإحساس النادر هو ما يحمله أسود الرافدين إلى بوسطن، لا في حقائبهم، إنما في أقدامهم وقلوبهم وذاكرة القميص الذي يرتدونه.

ما لا يراه المعلّق الرياضي المعلّقون سيتحدثون عن التشكيلة والمدرب والخطة التكتيكية وحظوظ التأهل من المجموعة. كل ذلك مشروع ومهم. لكن ثمة ما هو أعمق لا تلتقطه الكاميرات دائمًا.

حين يقف العراقي في مدرجات بوسطن الكبرى، مرتديًا الأحمر، رافعًا العلم، هاتفًا بأعلى صوته، فهو لا يشجع فريقًا رياضيًا فقط. إنه يمارس فعل حضور. يُعلن أن بلده موجود، وأن هذا الوجود لا يحتاج إذنًا من أحد. الملعب الدولي هو المنبر الأكثر ديمقراطية في العالم: لا فيتو فيه، ولا محاور، ولا توازنات معقدة. فقط علمٌ يرفرف، وجمهور يهتف، وفريق يُمثّل.

منذ مونديال المكسيك حتى اليوم تغيّر العراق كثيرًا. تغيّرت خرائط السياسة، وتبدّلت أجيال، وتراكمت الجراح. لكن شيئًا واحدًا ظل ثابتًا: حين يلعب المنتخب، يتوقف العراقيون عن انقساماتهم، ويجلسون أمام الشاشة معًا — في بغداد والبصرة والموصل وأربيل والناصرية والنجف وكركوك، وفي المنافي البعيدة أيضًا. هذه اللحظة الجامعة ليست وهمًا عاطفيًا. إنها حقيقة نفسية عميقة تكشف أن الهوية العراقية الجامعة ما زالت حيّة، تنتظر فقط مشروعًا يكون بمستواها.

المنتخب بوصفه عراقًا صغيرًا

في المنتخب، لا تنتصر الأسماء وحدها؛ تنتصر المنظومة. اللاعب لا يأخذ قيمته من موهبته فقط، إنما من قدرته على أداء دوره داخل خطة تجعل الجميع فريقًا واحدًا. الحارس لا يبحث عن تصفيق المهاجم، والمدافع لا يترك منطقته طمعًا بالأضواء، وصانع اللعب لا يحتكر الكرة لأنه أكثر مهارة. كل لاعب يكتمل بدوره، وكل دور يكتمل بالفريق.

قيادة وانضباط

هذه عبقرية كرة القدم. إنها تُعلّمنا أن الوحدة لا تعني إلغاء الفروق، إنما تنظيمها داخل هدف واحد. غرفة الملابس الناجحة ليست مكان تجاور، إنها مختبر لصناعة المعنى: قيادة وانضباط وتوزيع أدوار وثقة ومساءلة. من ينسى الفريق يخسر نفسه قبل أن يخسر المباراة.

لهذا تبدو عودة العراق إلى المونديال درسًا أبعد من الرياضة. المنتخب يُقدّم صورة عراقية ممكنة: تنوّع يتحوّل إلى قوة، وموهبة تنضبط في خطة، وجمهور يتحوّل إلى طاقة دفع لا إلى ضغط خانق. العراق لا تنــــــقصه الشجاعة، ولا الموهبة، ولا

الذاكرة. ما ينــقصه أن تتحول هــــــــــذه العناصر كلهـــا إلى فريق.

جيل لم يُهزم

هذا الجيل لم يكــــــن موجودًا حين لعب العراق في المكسيك. وُلد بعد ذلك الزمن، ونشأ في عراق مختلف، وتعلّم أن يحلم وسط ظروف لا تشجع على الأحلام الكبيرة. ومع ذلك وصل. وهذا الوصول، بحد ذاته، رسالة.اللاعب العراقي الذي يبلغ المونديال اليوم لا يحمل موهبته وحدها؛ يحمل تاريخًا لم يختره، ومستقبلًا يريد أن يشارك في كتابته. ولهذا لا يحتاج أسود الرافدين إلى الحماس وحده — يحتاجون إلى عقل بارد في قلب حار. إلى أن يلعبوا كمن يعرف قيمة الحلم، لا كمن تُثقله رهبة الحلم.

رسالة بوسطن

بوسطن ليست مكانًا عاديًا. إنها فضاء جامعات وفكر وذاكرة استقلال. وفي هذا الفضاء سيقف العراق أمام العالم — لا ببيان سياسي، ولا بخطبة رسمية، إنما بأحد عشر لاعبًا يركضون فوق العشب ويقولون بأقدامهم ما تعجز عنه الكلمات أحيانًا. رسالة العراق في بوسطن بسيطة وعميقة: لسنا صورة حرب فقط، ولا خبر أزمة فقط، ولا بلدًا يُقرأ عبر نشرات التوتر. نحن شعب يعرف كيف يفرح، وكيف ينتظر، وكيف يعود بعد أربعين عامًا إلى المكان الذي غاب عنه طويلًا.

ولكل عراقي سيسهر فجر السابع عشر من حزيران، في بيت أو مقهى أو شارع أو غربة، نقول: ما يصنعه أسود الرافدين أكبر من نتيجة مباراة. إنهم يفتحون نافذة جديدة في ذاكرة بلد، ويكتبون فصلًا من قصة شعب لم يتعلم كيف يستسلم.والتاريخ، في الرياضة كما في الحياة، لا يكتبه من لم يخسر قط. يكتبه من خسر كثيرًا، ثم وقف، ورتّب قلبه، وعاد إلى الملعب.

 

 

 

 


مشاهدات 54
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/06/07 - 2:56 PM
آخر تحديث 2026/06/08 - 2:41 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 142 الشهر 6876 الكلي 15882357
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير