حصر الأٌقلام بيد الدولة
حسام گصّاي
في الوقت الذي يشغل وتشعل وسائل الإعلام الخبرية الحديث المُسهب حول موضوع حل الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة؛ كمهمة وعقبة أمام تحسين صورة العلاقات العراقية – الامريكية، وحجم المفاوضات الدبلوماسية والخشنة (السرية والمعلنة) ومجريات آليات حصر السلاح بيد الدولة، كأبرز مهمات الحكومة الجديدة ببغداد، في محاولة لإثبات هوية الدولة وسيادة أمام تنام "الدولة العميقة" في السياق الفلسفي في جسد وأحشاء الدولة الوطنية نفسها، والعمل لانتزاع سطوّتها لصالح الدولة الوطنية (الأم)، ومثنوية الجدل حولها، يخرج إلينا السيد (علي الزيدي) رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة الوطنية الجديدة، بمبادرة جريئة، وسابقة جيدة، للاحتفاء برموز الأقلام الصحافية والإعلامية على شاكلتها واختلافنا حول خطابها، في تصدرها ت للمشهد الخبري، ومنصات التواصل الاجتماعي، ليقدم لهم مائدة سخية من النقاش الحاد عن المسؤولية الوطنية، الواجب الوطني، الروح الوطنية، عن المصير الوطني المشترك، عن قوارب الأمان ... إلخ.
بينما تبادلت منصات التواصل ووسائل الإعلام نفسها لقاء السيد الزيدي بسلطته الرابعة، بين متفاءل وأخر متشائم، بين متشكك، ومتأمل، فكان سيادة الآراء _ على الأغلب _ بنوع من السطحية، الهامشية، القشرية لمضمون اللقاء، .. وبقراءة أحادية للسطر ذاته، على أن لقاء السيد الزيدي بدأ خطوة نحو احتواء السلطة الرابعة، وأنه إسراف وهدر للإمكانيات، ومضيعة للوقت، أو أنه تشجيع للخطاب اللا وطني، وثمة تصريح مسوفٍ لا مسؤول ضد توجهات السيد الزيدي التي تبدو وطنية في وهلتها الأولى، لتصحيح مسار خاطئ في شتى الاتجاهات، .. وأنه يسعى لاحتكار واكتناز السلطات الأربع بيد واحد!!
مع سيادة رأي الجمهور "الشعبوي" غير المتفائل والمتشككة بخطوة السيد رئيس الوزراء للاحتفاء أو احتواء الأقلام الصحافية، إلا أني أصطف خارج رأي الجمهور، على مانوية خلافية، وأجترح بالتفكير خارج الصندوق، لأقرأ ما بين السطور بدل السطور ذاتها، وأتابع لقطات الاجتماع من زوايا متعددة، مقعرة ومحدبة، حتى أوصلتني لرأي قد أكون مخطئ، لكنه يبدو وجوهي، براغماتي مدروس، ينم عن حنكة سياسية، وخطوة ذكية من لدن السيد الزيدي لاحتواء أزمة الخطاب الإعلامي المُزّمنة، وتبويبه وتوجيهه بما يخدم المصالح الوطنية الكبرى لعراق ما بعد 2026، يحمل نوازع السلام، الاستقرار، التنمية، الوحدة الوطنية، رأب الصدع، تدّوية اعتلالات النسيج الوطني، لما يمثله الإعلام وأقلامه السوداء من سلطة رابعة أفتك خطراً على المجتمع من أي سلطة أخرى.
لذا سبق السيد الزيدي بخطوات جريئة، وحس وطني مفعم، لحرق مراحل بلا أشواط إضافية لمهمته الدستورية، باستدعاء دهاقنة السلطة الرابعة، كـ "يوتوبرية" أو حسبما يتداول ذكرهم في الخطاب الإعلامي، بأن يعيد ملء الأقلام بحبر محلي وطني، يخفف من حدة خطاب الكراهية، ويمد جسورٍ كونكرتية صلبة لمواجهة التناوش الإعلامي والتطرف الفكري بما يخدم عراق حر موحد، وعزل وباء الطائفية من الاستشراء ثانية في جسد المجتمع الذي بدأ يتعافى بـ "جرع محلية" من تبني خطاب وطني، براغماتي، حتمت عليه ظروفنا، بل رأت بسلامته عقليتنا المتنورة، .. بهذا يكون السيد الزيدي قد حقق نقطتين بضربة واحدة، حصر الأقلام بيد الدولة، وترك موضوع حصر السلاح في مهمة "دبلوماسية الحديقة الخليفة" للمفاوضات السرية.
وما يدفعنا بهجة بهذه الخطوة للسيد الزيدي لاحتواء سلطة الإعلام، تبدو ثمينة، من منطلق أن الأقلام أخطر على الأمة من البارود، .. فالسلاح قد يقتل فرد، لكن القلم بإمكان "شخطة قلم" أن تُهلك أمة كاملة، .. بهذا فحصر الأقلام مقدم على حصر السلاح، وحصر كليهما مجد سامٍ للحكومة الوطنية الجديدة.
فما أثمن السلاح لو أستبدلنا حرف (الراء) بدلاً عن (الحاء)!!
كاتب أكاديمي _ القاهرة