الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
من سرق ذكريات أطفالنا؟

بواسطة azzaman

من سرق ذكريات أطفالنا؟

عدنان الدوسري

 

في زمنٍ لم يكن فيه للشاشات سيطرة على حياتنا، كانت ذكريات الطفولة تُنسج بخيوط من اللعب الحر والضحكات الصادقة. كنا نعود إلى البيوت بأجساد متعبة من الجري والأتربة الملتصقة بالملابس، وجيوب مليئة بحكايات المغامرات الصغيرة التي عشناها مع الأصدقاء. تلك الذكريات الحية، المليئة بالروائح والأصوات والمشاعر، هي ما صنع هوياتنا وعلاقاتنا التي استمرت لسنوات طويلة.

اليوم، تغير المشهد تماماً. صارت طفولة أبنائنا تُقاس بعدد الساعات التي يقضونها أمام الشاشات، وعدد الألعاب الإلكترونية التي أنهوها، وليس بعدد الضحكات التي أطلقوها مع رفاقهم في الحارة. تحولت ذكرياتهم إلى أحداث افتراضية عابرة، لا طعم لها ولا رائحة، لا تترك أثراً في القلب كما تتركها الأيام التي قضاها آباؤهم وأمهاتهم يلعبون في الشوارع والحدائق.

المأساة الحقيقية ليست في تغير شكل الطفولة، بل في ما تخسره الأجيال الجديدة من مهارات حياتية أساسية. تلك المهارات التي كنا نكتسبها دون أن ندري من خلال اللعب الجماعي - كيف نتعاون، كيف نختلف ثم نتصالح، كيف نبتكر حلولاً للمشكلات، كيف نتحمل المسؤولية. كل هذه الدروس الثمينة التي كانت تأتينا بشكل طبيعي عبر التفاعل البشري المباشر، صارت غائبة عن حياة أطفالنا الذين يعيشون في عالم افتراضي منفصل.

الأمر لا يتوقف عند فقدان المهارات الاجتماعية فحسب، بل يمتد إلى فقدان الروابط الإنسانية العميقة. كيف سيتذكر أبناؤنا طفولتهم بعد سنوات؟ بأي قصص سيروون لأحفادهم؟ بأي مشاعر سيتذكرون أيامهم الأولى؟ هل ستكون ذكرياتهم مجرد مشاهد عابرة من ألعاب إلكترونية ومقاطع فيديو؟ أين تلك اللحظات التي تظل محفورة في الذاكرة لأنها حملت كل المشاعر الحية من فرح ودهشة وإثارة؟

المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في كيف سمحنا لها بأن تحتل كل هذه  المساحة. كيف قبلنا بأن تصبح الشاشات جليسة أطفالنا الأولى، ومصدر تسليتهم الوحيد. نحن الذين سمحنا بضياع تلك الكنوز الثمينة من التجارب الحية التي تصنع الإنسان المتكامل.

لكن الأمل لا يزال موجوداً. بإمكاننا أن نعيد التوازن، أن نخلق مساحات خالية من الأجهزة، أن نخرج أطفالنا إلى العالم الحقيقي، أن نلعب معهم كما كنا نلعب. أن نصنع لهم ذكريات من النوع الذي لا ينسى - ذكريات مليئة بالحياة والحركة والتفاعل الإنساني الحقيقي.

فالذكريات الجميلة ليست ترفاً، بل هي حق أساسي لكل طفل. حق في أن يعيش طفولة حقيقية، مليئة باللحظات التي تستحق أن تذكر. نحن مدينون لأطفالنا بأن نمنحهم هذه الهدية الثمينة، قبل أن تمر السنوات ويكتشفوا أن طفولتهم ضاعت بين أصابعهم كما تضيع حبات الرمل. وبعد ما عرفنا السارق ماذا نفعل ؟

 

 

 


مشاهدات 34
الكاتب عدنان الدوسري
أضيف 2026/06/07 - 2:21 PM
آخر تحديث 2026/06/08 - 2:42 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 155 الشهر 6889 الكلي 15882370
الوقت الآن
الإثنين 2026/6/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير