الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عيد الغدير.. الولاية الإلهية ومنهج العدالة الإنسانية

بواسطة azzaman

عيد الغدير.. الولاية الإلهية ومنهج العدالة الإنسانية

سعد البخاتي

 

يُعدّ عيد الغدير من أعظم المناسبات الإسلامية وأشرفها منزلةً في وجدان المسلمين، إذ يمثل محطةً مفصلية في مسيرة الرسالة المحمدية الخالدة، ومناسبةً تتجلى فيها معاني الولاية والقيادة الربانية والاقتداء بالنموذج الإسلامي الأسمى في الحكم والعدالة والأخلاق. وليس الغدير حدثاً تاريخياً فحسب، بل هو مشروع حضاري متكامل يحمل في مضامينه أسس بناء الإنسان الصالح والمجتمع العادل والدولة القائمة على الحق والإنصاف.

وقد ارتبط هذا اليوم المبارك بواقعة غدير خم في الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، عندما عاد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من حجة الوداع، فأمره الله تعالى بإبلاغ أمرٍ عظيم يتعلق بمستقبل الأمة، فنزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). فجمع المسلمين وخطب فيهم خطبةً تاريخية أعلن فيها: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله».

شخصية مباركة

ويمثل هذا الإعلان النبوي بياناً لمقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ذلك الإمام الذي نشأ في بيت النبوة، وترعرع في أحضان الرسالة، فكان أول المؤمنين وأسبقهم إلى الإسلام، حتى قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». وقد اجتمعت في شخصيته المباركة خصالٌ قلّ أن تجتمع في غيره؛ فكان العابد الزاهد، والقائد الشجاع، والقاضي العادل، والعالم الحكيم، والإنسان الرحيم.

ومن أبرز مناقب أمير المؤمنين عليه السلام علمه الواسع الذي شهد له به النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «أنا مدينة العلم وعلي بابها». وقد تجلت هذه الحقيقة في تفسيره للقرآن الكريم، وفي أحكامه القضائية التي أصبحت مضرب الأمثال في الدقة والعدالة، وفي خطبه وكلماته التي ما زالت تشكل مصدراً ثرياً للفكر الإسلامي والإنساني.

ويكفيه فخراً أن تراثه الخالد في نهج البلاغة يُعد من أعظم النصوص الأدبية والفكرية بعد القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.

كما تبرز عدالته عليه السلام بوصفها إحدى أعظم صفحات التاريخ الإسلامي. فقد أسس لمفهوم الدولة العادلة التي لا تميز بين الناس على أساس النسب أو المال أو النفوذ، بل تجعل معيار التفاضل هو التقوى والالتزام بالحق.

وكان يقول: «العدل أساس به قوام العالم»، وقد جسّد هذا المبدأ في سيرته العملية عندما ساوى بين الرعية في الحقوق والواجبات، حتى أصبح رمزاً عالمياً للعدالة والإنصاف.

أما شجاعته عليه السلام فقد سطعت في جميع ميادين الجهاد والدفاع عن الإسلام، فكان بطل بدر وأحد والأحزاب وخيبر، حتى قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم خيبر: «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار». ففتح الله على يديه حصون خيبر وأعزّ به الإسلام والمسلمين.

مناسبةً تجديد

إن عيد الغدير في جوهره دعوةٌ إلى التمسك بمنهج أهل البيت عليهم السلام باعتباره منهجاً قائماً على الإيـــــــــــــمان والعـــــــــلم والعدل والأخلاق.

فالولاية ليست شعاراً يُرفع أو مناسبةً تُحتفل بها فحسب، وإنما هي التزام عملي بقيم الإصلاح ومحاربة الظلم والفساد ونصرة المظلوم وإعلاء شأن الإنسان.

ومن هنا فإن إحياء ذكرى الغدير ينبغي أن يكون مناسبةً لتجديد العهد مع المبادئ التي جسدها أمير المؤمنين عليه السلام في حياته وسيرته.

كما أن الغدير يحمل رسالة وحدةٍ وأخوةٍ وتعاون بين أبناء الأمة الإسلامية، إذ يجمعهم على محبة آل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)، وهي آية ارتبطت في كثير من كتب التفسير بقصة تصدق الإمام علي عليه السلام بخاتمه وهو راكع.

وفي عيد الغدير نستذكر سيرة الإمام علي عليه السلام لا باعتبارها صفحة من صفحات التاريخ فحسب، بل باعتبارها منهجاً متجدداً لبناء الإنسان والدولة والمجتمع.

فسلامٌ على أمير المؤمنين يوم وُلد في بيت الله الحرام، ويوم جاهد دفاعاً عن الإسلام، ويوم استشهد في محراب العبادة، ويوم يُبعث حياً.

وسلامٌ على الغدير الذي بقي رمزاً للولاية والعدالة والكرامة الإنسانية، ومنارةً تهدي الأجيال إلى طريق الحق والخير والإصلاح.

 


مشاهدات 38
الكاتب سعد البخاتي
أضيف 2026/06/03 - 3:44 PM
آخر تحديث 2026/06/04 - 1:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 84 الشهر 3017 الكلي 15878498
الوقت الآن
الخميس 2026/6/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير