أيوب ذنون… موصلي يحوّل أنقاض الذاكرة إلى جائزة عالمية في صون التراث..
هدير الجبوري
في زمن تتعرض فيه المدن العريقة لاختبارات قاسية، يبقى حفظ التراث شكلاً من أشكال الوفاء للهوية والذاكرة، وتغدو الشخصيات التي تكرس حياتها لصون الإرث الحضاري علامات مضيئة في تاريخ أوطانها.
ومن الموصل، المدينة التي عرفت كيف تنهض من بين الركام وتحمل تاريخها بيديها، يبرز اسم السيد أيوب ذنون بوصفه واحداً من أبرز المدافعين عن ذاكرة المكان وروحه.
فقد توج السيد أيوب ذنون، رئيس مؤسسة تراث الموصل، بـ جائزة الإيسيسكو – أذربيجان (نتافان) للتميز في مجال التراث عن فئة الأفراد، ليكون أول موصلي ينال هذا التكريم العالمي الرفيع، في إنجاز يعد مصدر فخر للموصل والعراق عموما، واعترافاُ دولياً بجهوده الكبيرة في مجال حماية التراث وصونه.
ولم يأت هذا التكريم من فراغ، إذ كان أيوب ذنون أفضل خمسة فائزين عن فئة الأفراد، حيث تم تكريم خمسة أفراد تقديراً لإسهاماتهم في حماية التراث الثقافي وتعزيزه في أنحاء العالم الإسلامي، ضمن جائزة الإيسيسكو – أذربيجان ناتافان للتميز في مجال التراث، بالشراكة مع مؤسسة حيدر علييف.
وضمت قائمة الفائزين في هذه الفئة كلا من أيوب ذنون يونس من العراق، ومحمد كمال خلاف خليفة من مصر، وروضة مصطفى عبد الهادي من مصر، وهدى أحمد أصلان من سوريا، وأليسا كانديدياتو باري من السنغال، وهو ما يعكس حجم المنافسة الدولية الرفيعة التي شهدتها الجائزة، ويؤكد المكانة التي وصل إليها اسم الموصل في مجال حماية التراث الثقافي.
وجاء هذا الاستحقاق بعد دعوة رسمية تلقاها من منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) للمشاركة في مؤتمر إدارة التراث في أوقات النزاع،
وهو مؤتمر يحمل دلالات عميقة في ظل ما شهدته مدن عديدة من تحديات أثرت في معالمها التاريخية وهويتها الثقافية.
وتعد هذه الجائزة ثمرة تعاون وشراكة بين منظمة الإيسيسكو ومؤسسة حيدر ألييف، وقد سميت تيمنا بالشاعرة والمصلحة الاجتماعية الأذربيجانية البارزة خورشيدبانو ناتافان، في إشارة رمزية إلى الدور الحضاري والثقافي الذي تمثله الجائزة وأهدافها الإنسانية.
ويهدف هذا التكريم العالمي إلى الاحتفاء بالمشاريع والمبادرات المتميزة التي تعنى بصون التراث الثقافي المادي وترميمه وتأهيله، إضافة إلى إبراز أفضل الممارسات التي تسهم في النهوض بالتراث في العالم الإسلامي، وتسليط الضوء على النماذج الرائدة في مجالات إدارة التراث وحمايته، ولا سيما في المناطق التي تواجه ظروفا استثنائية وصراعات تهدد ذاكرتها الحضارية.
وفي حديث مؤثر عبّر السيد أيوب ذنون عن مشاعره بعد هذا الفوز قائلا: إذا كانت جائزة في الدنيا تملأ قلوبنا بهذا الفرح… فكيف سيكون الفرح الأكبر في الآخرة؟ اللهم لك الحمد والشكر، اللهم اكتب لنا سعادة الدارين، نحن ومن نحب.
وأضاف في معرض حديثه لجريدة الزمان أن الفوز بـ جائزة الإيسيسكو – أذربيجان (نتافان) للتميز في مجال التراث ليس إنجازاً شخصياً بقدر ما هو اعتراف بقصة مدينة… قصة الموصل، مؤكدا أن هذا التكريم هو تكريم لكل يد أعادت بناء، ولكل ذاكرة صمدت، ولكل شاب آمن أن التراث ليس ماضياً فقط، بل مستقبل يُصنع.
كما تحدث للزمان عن رحلته الطويلة مع الحفاظ على تراث الموصل قائلا: سنوات… وأنا أحاول أن أقنع العالم أن الحجارة تتكلم، وأن التراث ليس ماضيا… بل مستقبل ينتظر من يفهمه.
سنوات بين الركام، بين الغبار والقصص التي لم تحك بعد، بين لماذا تفعل هذا؟ وهل يستحق كل هذا التعب؟.
وتابع قائلا: واليوم… أنا سعيد للفوز بهذه الجائزة … وأن الأمر كان يستحق.
هذه الجائزة ليست لي وحدي، هي لفريقي ولكل من يؤمن بحفظ تراث الموصل، هي لكل حجر لم نتركه، ولكل بيت فتح بابه من جديد، ولكل شخص آمن أن الموصل لا ترمم… بل تبعث من جديد.
كما أهدى هذا الفوز إلى الموصل والعراق، وإلى كل من آمن بأن حماية التراث هي طريق للكرامة والسلام وبناء الإنسان، موجها شكره العميق لكل من دعمه وآمن بهذه الرحلة، ومؤكدا عزمه على مواصلة العمل لنقل هذه التجربة وتعزيز دور التراث بوصفه جسراً بين الشعوب.
إن فوز السيد أيوب ذنون بهذه الجائزة لا يمثل تكريماً لشخصه فحسب، بل هو احتفاء بمدينة الموصل نفسها، بتاريخها العريق، وبكل الجهود التي بذلت للحفاظ على ملامحها الثقافية والحضارية.
وهو أيضا رسالة تؤكد أن التراث ليس مجرد حجارة أو مبان قديمة، بل روح أمة وذاكرة أجيال، وأن من يحافظ عليه إنما يحافظ على هوية الإنسان وامتداده عبر الزمن..