الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
سقيفة فندق الرشيد

بواسطة azzaman

سقيفة فندق الرشيد

محمد خضير الانباري

 

كانَ مساءَ بغدادَ ثقيلاً على غيرِ عادته، فالمدينةُ التي اعتادتْ أنْ تصحوَ على ضجيجِ السياسةِ وتنامَ على صخبِ الكرة، كانتْ في تلكَ الليلةِ تحدقُ نحوَ فندقِ الرشيد، كأنَ شيئا خفيا يكتبُ هناك، لا يشبهُ مباراةً تحسمُ بهدف، بلْ يشبهُ قدرا يتبدلُ بصمت.

دخلَ الكابتنُ عدنان درجالْ القاعةَ مبكرا، كانَ يمشي بينَ الوجوهِ التي عرفها منذُ سنواتِ الملاعبِ والسفرِ الطويلِ خلفَ حلمِ العراق، صافحَ هذا، وربتّ على كتفِ ذاك، واستعادَ معَ بعضهمْ صورَ الانتصاراتِ القديمة، كأنهُ يريدُ أنْ يقولَ للجميعِ منْ دونِ كلمات: أنا الرجلُ الذي حملَ المنتخبَ منْ عثرته، وأعادَ لهُ الطريق نحوَ الحلم.

كانَ واثقا أكثرَ مما ينبغي، ابتسامته تشبهُ ابتسامة، قائدٍ يدخلُ الملعبَ قبلَ صافرة النصر، لا قبلَ اختبارٍ الخسارة، لكنهُ لمْ يكنْ يعلمُ أنَ السياسةَ الرياضيةَ تشبهُ البحر؛ هادئة على السطح، بينما تحتها تيارات تسحبُ السفنَ بصمت.

في الممراتِ الجانبية، كانتْ التحالفات تنسجُ بهدوء: همساتٌ قصيرة، أبواب تغلقُ سريعا، ووعود تتبدلُ معَ اقترابِ ساعةِ الحسم، كانَ المشهدُ يشبهُ حكاياتِ السقائفِ القديمة، حينَ تصنعِ القراراتِ بعيدا عنْ العيون، أوْ كأنفاقِ الثوارِ الجزائريينَ التي أربكتْ الفرنسيينَ طويلاً قبلَ أنْ ينتزعوا النصر.

شيئا فشيئا، بدأتْ الوجوهُ تتغير، ابتساماتٌ الأمسِ أصبحتْ حيادية، والوعود التي قيلتْ في الغرفِ المغلقةِ تبخرتْ معَ أولِ ورقةٍ انتخابيةٍ سقطتْ في الصندوق، هناكَ منْ صافحهُ بحرارة، ثمَ منحه صوتهُ لغيره، وهناكَ منْ أقسمَ بالوفاء، ثمَ غادرَ إلى الضفةِ الأخرى قبلَ لحظاتٍ منْ النهاية، وفي داخله، ربما مرتْ حكايةُ يوسف( ع) . ليسَ لأنَ إخوتهُ ألقوهُ في البئر، بلْ لأنَ أقربَ الناسِ أحيانا همْ أولُ منْ يخذلُ الحلم حينَ تقتربُ الغنائم.

بدأَ الكابتنُ (يونسُ محمود) يتحركُ بهدوءٍ مختلف، لا ضجيجَ حوله، ولا ثقة فائضة، فقدْ دخلَ الانتخاباتِ بتحالفات نسجها بصبر، مستندا إلى شعبيتهِ كلاعبٍ وقائدٍ سابق، وإلى رغبة كثير في التغيير، وإلى سياسةِ مفاوضِ رسمها لهُ دبلوماسيّ عتيق. كانتْ بعض الوجوه، ترى أنَ الزمنَ يحتاجُ صفحةً جديدة، وأنَ الكرسيَ الذي طالَ بهِ الجلوس يبدأُ أحيانا بعزلِ صاحبهِ عنْ الناس، أما درجال، فقدْ أثقلتهُ أخطاء السنواتِ الأخيرة، فالانفرادُ بالقرار، كما كانَ يرددُ خصومه، والاعتمادُ على أسماءٍ ظنها مضمونة، والابتعاد عنْ الدائرةِ التي كانتْ تحميه، حتى بدٍ أحيانا كأنهُ يعيشُ متنقلاً بينَ (زيورخْ ومدريد ) ، بينما زملائهِ في الاتحاد، يتنقلونَ بينَ (باب الشرقي، وعلاوي الحلة ) ، ومعَ الوقت، اتسعتْ الفجوة، بصمتٍ حتى تحولتْ إلى سقوطٍ مدو.

بعدَ أعلنتْ نتائج الانتخابات، سادَ الصمتُ لثوانٍ طويلة، (ثمانيا وثلاثين) ورقة حملتْ اسمَ الكابتنِ (يونسِ محمودٍ ) ، و (عشرون) فقط، ذهبتْ للكابتنِ (عدنان درجالْ ) ، عندها أدركَ الرجلُ أنَ القاعةَ التي دخلها مبتسما لنْ يخرجَ منها بالوجهِ ذاته. لمْ تأتِ التصفيقاتُ التي انتظرها، وصمت يشبهُ ذلكَ الذي يسبقُ الاعتراف بالحقيقة، وربما، في لحظةٍ خاطفة، ترددتْ في داخلهِ صرخةُ (يوليوسْ قيصرَ) القديمة: حتى أنتَ يا بروتس؟  إنَ الحياة، مثلَ كرةِ القدم، لا تمنحُ دروسها مجانا، فالخسارةُ ليستْ دائما نهايةْ الطريق، بلْ أحيانا بدايةْ الوعي، ويدركُ الإنسانُ متأخرا أنَ النجاحَ لا يبنى بالإنجازاتِ وحدها، بلْ بالقربِ منْ الناس، والإصغاءِ لمنْ حوله، واحترام الشركاءِ قبلَ أنْ يتحولوا إلى خصومٍ صامتين.

أما الكابتنُ (يونسُ محمودٍ ) ، فالمأمول منهُ أنْ يبتعدَ عنْ التصريحاتِ المتسرعةِ والهفوات غير المقصودة، وأنْ يمنحَ كلماتهِ مزيدا منْ التروي والحكمة؛ فالمسؤوليةُ اليومَ أكبر، والموقع الذي يشغلهُ يتطلبُ خطابا يوازي حجمَ التحديات، ولعلَ خيرَ ما يستأنسُ بهِ في هذا المقامِ القول المنسوب إلى الأمامِ عليّ بن أبي طالب: (ع) (وددت أنَ رقبتي كرقبةِ البعيرِ حتى يخرجَ الكلامُ موزونا ) .

لقدْ خرجَ منْ تلكَ الليلة، رئيسا جديدا للاتحاد، يحملُ على عاتقهِ آمال مرحلةٍ كاملة؛ منْ تثبيتِ مشروعِ المنتخبِ الوطني، إلى التحضيرِ للاستحقاقاتِ المقبلة، وفي مقدمتها كأس العالم، فضلاً عنْ احتواءِ الخلافاتِ القديمةِ داخلَ الوسطِ الكروي، وإعادةْ بناءِ حالةٍ منْ الاستقرارِ والثقة. لقد بقيَ الكابتنُ (عدنان درجالْ ) ، واقفا عندَ بابِ القاعةِ للحظات، كأنهُ يستعرضُ في ذهنهِ سنواتِ عمرهِ كلها دفعةً واحدة، لمْ يخسرْ تاريخه لاعبا وقائدا وإداريا، لكنهُ خسرَ جولةَ ظنها الأقربِ إلى الحسم، ثمَ مضى، تاركا خلفهُ بعض الكلماتِ التي لمْ تكنْ في محلها، فأزعجتْ عددا منْ محبيه، وجاءتْ كردةِ فعلٍ على نتائجِ الانتخابات، ومعَ ذلك، ظلَ في قلبهِ شيء منْ صبرِ يعقوب، وشيء منْ يقينٍ هادئٍ بأنَ الأبوابَ التي تغلقُ أحيانا، قدْ تكونُ بداية لأبوابٍ أخرى لم تفتحُ بعد.  ولعلَ ما يخففُ وطأةْ اللحظةِ في نفسهِ قوله تعالى: (فإنَ معَ العسرِ يسرا، إنَ معَ العسرِ يسرا) سورةْ الشرح: 5- 6.  وفي الختام؛ يبدو أنَ عامَ 2026، يحملُ للعراقِ عنوان التجديد؛ فقدْ تجددتْ رئاسةُ الجمهورية، وتجددُ البرلمان، وتجددُ مجلسِ الوزراء، وكأنَ البلادَ تعيدُ ترتيبَ روحها بعدَ طولِ عناء، ولعلها بشارة مرحلة جديدة، فاللهُ تعالى يقول: (إنَ اللهَ لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهمْ ) ، الرعد: 13، والعراقيونَ أهل صبرٍ وتجدد.

 


مشاهدات 244
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/05/25 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/05/27 - 9:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 372 الشهر 26513 الكلي 15871707
الوقت الآن
الأربعاء 2026/5/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير