الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الثقافة إلى سلة النفايات

بواسطة azzaman

كلام أبيض

الثقافة إلى سلة النفايات

جليل وادي

 

لست متجنيا على أحد، ولا مستهينا بالثقافة التي أرى فيها مدخلا لكل ارتقاء، فلا يمكن للبلدان التقدم حضاريا بلا ثقافة، موقنا ان كل شيء مرتبط بها، من حب الوطن الذي ينهل من الشعور بالانتماء، الى الذوق العام الذي تراجع كما نراه في سلوك كثير ممن لا يعرفون للنظافة معنى، فيرمون الأنقاض والمخلفات في الأماكن العامة.

وكنت قلت مرارا وليس في قولي من جديد، ان الثقافة من أكثر الأشياء التي أهملتها أنظمتنا السياسية مذ تشكلت دولتنا الحديثة وحتى الآن، باستثناء البواكير الأولى لها، وبعدها صارت في آخر الاهتمامات، ولم تحتل أية مرتبة في أولوياتنا أبدا، ومع تراكم الاهمال ما عاد للثقافة جدوى، وطالما هي كذلك لم تخطر في بال الأفراد، ولم تعد حاجة ضرورية لاعتلاء منصب، او لتكون وجيها في مجتمعك، او نموذجا لطلابك لكي يحتذوا بك، فبمقدورك أن تكون وزيرا بلا ثقافة، بل حتى رئيسا الى درجة ظن الذين يعتلون كراسي الحكم في بلادنا ان اللغو الكلامي الذي يمارسونه في أحاديثهم ولقاءاتهم الاعلامية هو مظهر من مظاهر الثقافة الرفيعة، ويمكنك أن تتصدر المجتمع بلا ثقافة، المال يجعلك الحاكم النهائي، فالتقدير الاجتماعي صار يأتي بالمال والمناصب والنفوذ حتى وان كنت لا تجيد الحديث بعبارة واحدة سليمة لغويا.

 هذا هو الواقع فما الذي يدفع الطالب لقراءة كتاب، او الوزير للاحاطة بالأدب، او السياسي للالمام بعلم الاجتماع، او مدير بلدية لمعرفة أهمية الجمال، او محافظ لفهم قيادة الراي العام، او قائد شرطة لمعرفة ان عشرات المجرمين خارج السجن أهون على المجتمع من بريء واحد في داخله، او طبيب ليدرك ان الانسانية هي أجمل معاني الحياة، وبدونها تفقد الدنيا بريقها الأخاذ، او مدير تربية ليعرف ان الموسيقى كالرياضيات تنظم العقل وتجعله يفكر بايقاعات منطقية منتظمة، او معلم ليوقن ان الرسم  ينمي الخيال ويهذب الذوق.

الثقافة هي من تجعلنا نفكر بطريقة عقلية متزنة، وترفع من أذواقنا، وتجعل كلامنا مؤدبا وسلوكنا متحضرا ومظهرنا مهذبا، وتراجع الثقافة يعني تصاعد العدوان، وخراب البلدان، وانتهاك حرمة الانسان، وعدم الاعتبار للاخوان، والحديث في هذا يطول، ويكفيني منه ما أقول.

استمتعت مؤخرا بقراءة أطروحة للدكتوراه في التاريخ بعنوان (ثقافة الوزراء) وصفت فيه الدكتورة المرحومة سميعة عزيز ثقافة من تولوا مناصب الوزارة في الدولة العباسية، وتبين ان الوزراء لم يختاروا عشوائيا، بل على أساس ثقافة موسوعية وجدارة استثنائية في تدبير الشأن العام، ومن الشخصيات التي تتمتع بالتقدير الاجتماعي والذكاء الحاد والكفاءة في مجال العمل، فثقافة الوزراء بخاصة في بداية العصر العباسي كانت متنوعة لتشمل الفقه والأدب والسياسة والفن واللغة، وما جادت به الثقافات الأجنبية الأخرى كالثقافتين اليونانية والفارسية، فقد عُد الوزير عقل الدولة المدبر، ومستشار الخليفة المتنور، وهذا يعني ان للثقافة مكانتها المرموقة في ذلك الزمن، ما أدى الى ازدهارها وتطورها، والحصيلة ما بين أدينا من تراث ثري بمختلف المجالات والذي أصبح لاحقا مبعث فخرنا، نباهي به الشعوب من حولنا، بان تاريخنا مشرق، ونحن من علم البشرية كل شيء، ولذلك نرى ان الدولة العباسية في بداياتها علا نجمها وتمدد كيانها، وأصبحت القلعة التي لا يجرؤ أحد على التطاول عليها، وان الغيوم اينما أمطرت يعود خراجها لها.

ومن المفارقات المضحكة ان الكثير من سياسيينا الحاليين، والذين انقلبت بهم الدنيا تصورهم الكاميرات وخلفهم مكتبات مكتظة بالكتب بضمنها مراجع مخيفة، وكذلك الحال مع مسؤولين تنفيذيين او من يوصفون بالخبراء الاستراتيجيين او مستشاري المسؤولين الذين أتحدى من يعرف عددهم في دولتنا، اذا كان هؤلاء هم من النخبة المثقفة وصاحبة الدراية لِمَ بلادنا متخلفة وتتراجع يوما بعد آخر؟

وما يزيد الطين بله كما يُقال ان كل يوم يمر تزداد الشهادات الجامعية العليا في الماجستير والدكتوراه، بينما يتضخم التخلف، أليس مضحكا ومبكيا أن تتضاعف الجامعات في كل عام، بينما مظاهر السلوك في الشارع لا تمت للثقافة بصلة، بدءا من تراجع الذوق العام الى اتساع مساحة الروح العدوانية وانتهاء بانخفاض الشعور بحب الوطن، ما تفسير حضراتكم لذلك؟    

 

jwhj1963@yahoo.com


مشاهدات 44
الكاتب جليل وادي
أضيف 2026/05/09 - 2:15 PM
آخر تحديث 2026/05/10 - 2:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 122 الشهر 8767 الكلي 15253961
الوقت الآن
الأحد 2026/5/10 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير