الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لوكية آخر زمن

بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

لوكية آخر زمن

ياس خضير البياتي  

 

يا للروعة! ما إن يلوّح اسم رئيس وزراء جديد في الأفق، حتى تُقرع طبول «اللواكة» في كل زاوية، كأننا أمام عيدٍ وطنيّ للكلام الفارغ. لا برنامج، لا قرار، لا حتى كرسي دافئ بعد… لكن الجوقة اكتملت: مستشارون يسبقون التعيين، محلّلون يسبقون الحدث، وإعلاميون يسبقون الحقيقة. كأن الزمن في العراق يمشي بالمقلوب: الأصداء أولاً، ثم الصوت… إن وصل!

تخيّل المسرح: الرجل لم يدخل بعد من الباب، لكنهم فرشوا له سجاد التأويلات من الباب إلى الشاشة. لم يوقّع قراراً، لكنهم وقّعوا عنه كتب التاريخ. لم ينطق، لكنهم فسّروا صمته خطبةً عصماء! أحدهم يغرّد: «يشرفني العمل مع الصديق الرئيس» — صديق؟ أم صديق محتمل للراتب المنتظر؟ أم صداقة تُعقد بشروط الخدمة والامتيازات؟

محترف التحوّل، يبدّل جلده السياسي كما تُبدَّل ربطة العنق؛ مستشارٌ حاضرٌ في كل العهود، ملازمٌ لكل رؤساء الوزراء، مخلصٌ لهم جميعًا، شاهدٌ على عظمة كل من مرّ… حتى غدا التاريخ عنده ألبومًا من صور الزعماء، جميعهم أبطال، ولا أحد مسؤول عن الخراب. يا لها من ذاكرةٍ انتقائية، تحفظ الرواتب وتنسى الوقائع!ويذهب بعضهم إلى القول إن علي الزيدي سيكون ثاني «علي» يحكم العراق بعد علي بن أبي طالب، وكأن الأسماء وحدها تكفي لتصنع التاريخ، أو لتعيد للأوطان مجدها المفقود.

اللواكة عندنا ليست عادة، بل مؤسسة غير مرئية، لها فروع في كل وزارة، ومكاتب في كل قناة، ومندوبون في كل تعليق. نمارسها كما نمارس التنفّس: تلقائياً، بلا وعي، وبكفاءة تُدهش الفراغ نفسه. منذ زمن «تحليل المباراة قبل صافرتها»، ونحن نُتقن لعبة استباق الأحداث حتى نُلغِي الحاجة إلى الحدث.

الإعلام يطبخ حلقات بعنوان: «هل سيُنقذنا القادم أم يُنهي الكوكب؟»، ومحلّلو المنصّات يفتّشون في صورة الرجل عن أسرار الجاذبية الأرضية. زاوية الوجه دليل سياسة، وربطة العنق مؤشر اقتصاد، ولمعة الحذاء خارطة طريق! أما الشعب، فهناك… في الهامش، يجرّ يومه كما تُجرّ جملةٌ زائدة في مقال طويل.

والمفارقة المدهشة: البلاد تختنق بالفساد والفقر، بينما السادة يلوكون «استراتيجيات» لم تُكتب، ولن تُكتب، وربما لا تحتاج إلى كتابة أصلاً؛ فهي تؤدّي وظيفتها الأساسية: ملء الفراغ بالضجيج. نحن لا نبني سياسات، نحن نبني صدى السياسات.

ولا ننسى… أن هناك شعباً، عبر تاريخٍ طويل، تدرّب على اللواكة السياسية حتى صارت عنده حاسّةً سادسة. شعبٌ لا يكتفي بمشاهدة المسرحية، بل يشارك في كتابة حواراتها الرديئة. يمدّ للرئيس جرعاتٍ يومية من «فيتامين النفاق»، حفاظاً على لياقته المعنوية! ما زالت الصور حيّة في الذاكرة: شيوخٌ بعقالهم يرقصون على إيقاع المديح، ورجال دين يقرأون «سورة الحفظ» على سلامة الرئيس، كأنما البلاد كلّها صارت حرزاً شخصياً لكرسيه. مشاهد لا تموت، لأن التاريخ نفسه يسكن في جيناتنا، يركض — بل يهرول — كلما لمح ظلاً لسلطة، كأننا نخشى أن يسبقنا أحد إلى باب التصفيق.

بدأت اللواكة همساً، فصارت ضجيجاً، ثم ارتقت إلى سيمفونية كاملة: تغريدات تُغنّي لنفسها، بثّ مباشر يُصفّق لذاته، مقابلات حصرية مع مرايا أصحابها. يا لهذا الإنتاج الغزير! لو كان الكلام طاقةً كهربائية، لأضأنا نصف الكوكب، وبقينا نستورد الفعل من الخارج.

لكن—ويا لسخرية الخاتمة—يبدو أن بعضَ الرؤساء لا يغمض لهم جفنٌ إلا على وسادةِ «اللوكي المنتفخ باللوكية»؛ ذاك الذي وظيفتُه الرسمية: تصفيقٌ بدوامٍ كامل. يصفّق للحضور والغياب، للقرار واللاقرار، بل يصفّق حتى للفراغ إذا تكرّم ومرّ من هنا!

يمتلك موهبةً خارقة: يمدح قبل أن يُتَّخذ القرار، ويبارك قبل أن يولد الإنجاز، ويهتف بالنصر قبل أن تبدأ المعركة. ومعاركُنا—ما شاء الله—كثيرة؛ فيها ينتعش موسمُ اللواكة، بينما يبكي الوطن على كثرة مصائبه، وأحزابه، وذيوله، وفساده.

 

yaaas@hotmail.com


مشاهدات 60
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/05/03 - 4:08 PM
آخر تحديث 2026/05/04 - 12:59 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 62 الشهر 2827 الكلي 15248021
الوقت الآن
الإثنين 2026/5/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير