الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
جساس الازدي في مقبرة النجف

بواسطة azzaman

جساس الازدي في مقبرة النجف

حسين باجي الغزي

 

امس كنت في مقبرة النجف في أربعينية أخي المرحوم… فوقعت عيني على شاهدة قبر (لوحة) مكتوب عليها: هنا يرقد

(جساس الأزدي)، رحل عن دار الدنيا في القرن الرابع الهجري.

ناديتُه: انهض يا جساس… انهض يا عزيزي، في صدري سؤالٌ محيّر.

وبصوتٍ خافتٍ كأنه يخرج من بين التراب، قال جساس: ماذا تريد يا ابن باجي؟ هل تريد أن تسأل عن حالنا، وتسألني عن حال العراق؟

«تسألني عن حال العراقي… وكأنك تسأل عن ظلٍّ يبحث عن جسده منذ قرون.

يا هذا، نحن لا نموت كما تظنون، نحن نُدفن فقط… ثم نُستدعى كلما اشتدّ وجع الأرض.

العراقي يا ولدي، يا ابن باجي، إذا ضحك ضحك من قلبه حتى ينسى وجعه، وإذا بكى بكى حتى ينسى ضحكته. يعيش بين نقيضين كأنه خُلق من نارٍ وماءٍ في آنٍ واحد.

مرّت علينا دولٌ وسلاطين وحروب، وكلّ واحدٍ منهم ظنّ أنه الأخير… ثم صار هو نفسه ذكرى على شاهد قبر.

لكن الذي لم يتغيّر… هو هذا القلب.

قلب العراقي إذا انكسر لا ينتهي، بل يتشظّى إلى قلوبٍ صغيرة، تسير في الشوارع، في المقاهي، في الجبهات، في البيوت… وتكمل الحياة وكأن شيئاً لم يحدث.

أما نحن هنا، في هذا الصمت الطويل، فنرى كل شيء.

نرى من باع، ومن صمد، ومن خان، ومن نجا وهو يحمل خيانته كندبة لا تندمل.

يا ابن باجي، ونرى أيضاً أشياء لا تراها أنت

نرى أن الأرض تحفظ أسماءكم أكثر مما تحفظونها أنتم.

وأن النجف ليست مدينة موتى كما تظنون، بل مدينة من ينتظرون أن يُفهموا أخيراً

ثم سكتَ طويلاً، كأن التراب عاد يزحف إلى صوته، قبل أن يهمس:

«قل لي… هل تغيّر شيء فيكم، أم ما زلتم تعيدون الحكاية ذاتها بأسماء مختلفة؟»

أعرفُ العراقيين جيداً، وأعرفُ أنهم شعبٌ يتقن تبديل المواقف كما يُتقن تبديل الرايات.

أعرفُ أنهم سريعو خلع زيّ المرحلة حالما تنقضي، وسريعو الانقلاب حين تنتقل السلطة إلى يدٍ أخرى. وأعرفُ أنهم إذا استقرّت سلطةٌ ما صاروا في تمجيدها أشدّ من أصحابها أنفسهم، كأنهم حراسها الرسميون، ولسانها الناطق، وسوطها على كل معترض.

لكنهم ما إن تضعف تلك السلطة أو تبدأ بالتهاوي، حتى يتبدّل المشهد فجأة: يتحولون إلى معارضين أشداء، ومناضلين متأخرين، و”ضحايا” قُهروا بالصمت، و”مجبورين” على المجاملة، وكأنهم كانوا خارج الزمن كله حتى لحظة السقوط.

وحين تُستبدل السلطة بأخرى، تراهم يعيدون إنتاج المشهد ذاته بلا خجل: تمجيدٌ جديد، وتبريرٌ جديد، وولاءٌ أكثر حدّة من السابق، وكأنهم لم يعرفوا غير هذا الدور منذ البداية.

إنهم حين تكون السلطة قائمة، يبدون كأنهم جزءٌ عضويٌّ منها، يدافعون عنها بالكلام والمواقف مهما كانت جائرة، وحين تسقط، يتسابقون إلى نزع ما تبقّى منها، بل والمشاركة في رجم رموزها، والتبرؤ من كل ما قالوه لها بالأمس.

أنا جساس الأزدي، وهذا شعبي… أعرفه جيداً. ومن أراد الإنكار، فليفتح ذاكرته قبل أن يفتح لسانه.

ثم اختفى جساس الأزدي وغاص تحت التراب، وكأن الصفحة طُويت على فصلٍ كاملٍ من الحكاية. بقيت الكلمات معلّقة في الفراغ، والصدى وحده يتردّد في أروقة مقبرة النجف، بينما انسحب المشهد بهدوءٍ ثقيل لا يترك خلفه سوى سؤالٍ مفتوح ونهاية لا تشبه النهايات المعتادة.


مشاهدات 40
الكاتب حسين باجي الغزي
أضيف 2026/05/03 - 3:40 PM
آخر تحديث 2026/05/04 - 1:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 120 الشهر 2885 الكلي 15248079
الوقت الآن
الإثنين 2026/5/4 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير