نيجيرفان بارزاني: هندسة الممكن في جغرافيا المستحيل
عطا شمیراني
الصورة التي تجمع بين نيجيرفان بارزاني ومحمد بن زايد آل نهيان ليست مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل تعكس تفاعلاً سياسياً مركباً في قلب معادلات الشرق الأوسط المتغيرة. فالمصافحة هنا تختصر شبكة من المصالح المتبادلة، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه عبر الآخر ضمن بيئة إقليمية تتسم بالتنافس والتقلب.
من جهة أولى، يقدّم إقليم كردستان، بقيادة بارزاني، قيمة استراتيجية للإمارات تتجاوز حدود الجغرافيا العراقية. فالإقليم يُعد نقطة ارتكاز مهمة داخل العراق، الدولة التي ما زالت تعاني من توازنات داخلية معقدة بين قوى سياسية متعددة وتأثيرات خارجية متشابكة. في هذا السياق، يمنح الإقليم للإمارات فرصة الدخول إلى الساحة العراقية عبر بوابة أكثر استقراراً ومرونة، بعيداً عن التعقيدات التي تحيط ببغداد. وهذا بحد ذاته مكسب جيوسياسي مهم، خصوصاً في ظل سعي أبوظبي إلى توسيع نفوذها الإقليمي بوسائل ناعمة تعتمد على الاقتصاد والعلاقات السياسية المتوازنة.
إضافة إلى ذلك، يوفر إقليم كردستان بيئة استثمارية جاذبة نسبياً مقارنة ببقية العراق، سواء من حيث القوانين أو من حيث الاستقرار الأمني. وهذا يتماشى مع الرؤية الإماراتية القائمة على تنويع الاستثمارات خارج قطاع النفط، والبحث عن أسواق واعدة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والسياحة. ومن هنا، يصبح الإقليم ليس فقط شريكاً سياسياً، بل أيضاً منصة اقتصادية قابلة للنمو والتوسع.
لكن ما يقدّمه الإقليم لا يتوقف عند الاقتصاد، بل يمتد إلى موقعه الفريد في شبكة العلاقات الإقليمية. فقيادته تحافظ على توازن دقيق بين تركيا وإيران والولايات المتحدة، وهو ما يمنح الإمارات قناة تواصل غير مباشرة مع هذه الأطراف. هذه “الدبلوماسية المرنة” التي يتبعها الإقليم تمثل قيمة مضافة لأي شريك خارجي يسعى لفهم ديناميكيات المنطقة دون الانخراط المباشر في صراعاتها.
في المقابل، لا تأتي علاقة الإمارات مع الإقليم من باب المجاملة، بل تحمل في طياتها مكاسب واضحة لنيجيرفان بارزاني. أول هذه المكاسب هو الدعم الاقتصادي المحتمل، حيث تمتلك الإمارات العربية المتحدة خبرة واسعة في تطوير البنية التحتية وإدارة المشاريع الكبرى، وهو ما يحتاجه الإقليم لتعزيز قدراته الاقتصادية وتقليل اعتماده على بغداد. فكل خطوة نحو استقلال اقتصادي أكبر تعني مساحة أوسع من القرار السياسي.
أما المكسب الثاني، فيكمن في البعد السياسي والدبلوماسي. فالعلاقة مع دولة بحجم وتأثير الإمارات تمنح الإقليم ثقلاً إضافياً في العالم العربي، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل حساسية القضية الكردية. فالكرد، رغم حضورهم التاريخي، ما زالوا يسعون لتثبيت شرعيتهم السياسية على المستوى الإقليمي والدولي، وأي دعم عربي يُعد خطوة في هذا الاتجاه.
إلى جانب ذلك، تمثل الإمارات نموذجاً للدولة الحديثة التي استطاعت تحقيق الاستقرار والتنمية في بيئة إقليمية مضطربة. وهذا النموذج قد يشكّل مصدر إلهام للإقليم في سعيه لتطوير مؤسساته وتعزيز حكمه الداخلي، خاصة في مجالات الإدارة والاقتصاد.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم “معادلة الكرد” في المنطقة بوصفها معادلة دقيقة بين الطموح والواقع. فالكرد موزعون جغرافياً بين عدة دول، وكل تحرك سياسي في إقليم كردستان ينعكس على هذه الدول بشكل مباشر. لذلك، يتبنى الإقليم سياسة حذرة تقوم على تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب دون تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تثير ردود فعل إقليمية حادة.
هذا ما يجعل من نيجيرفان بارزاني لاعباً سياسياً يعتمد على البراغماتية أكثر من الشعارات. فهو يدرك أن قوة الإقليم لا تكمن في المواجهة، بل في القدرة على بناء علاقات متوازنة مع أطراف متناقضة. وفي هذا السياق، تأتي العلاقة مع الإمارات كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تنويع الشراكات وتعزيز الاستقلالية.
في المحصلة، يمكن القول إن اللقاء بين بارزاني ومحمد بن زايد يجسد نموذجاً حديثاً للعلاقات في الشرق الأوسط، حيث تتراجع الأيديولوجيا لصالح المصالح، وتُبنى الشراكات على أساس المنفعة المتبادلة لا الانتماء السياسي. فالإمارات ترى في كردستان فرصة لتعزيز حضورها الذكي في العراق، بينما يرى الإقليم في الإمارات شريكاً يمكن أن يدعم استقراره وتطوره.
وبين هذين الهدفين، تتشكل علاقة مرنة وقابلة للتطور، تعكس طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة: مرحلة تبحث فيها القوى عن توازن جديد، وتعيد فيها رسم خرائط النفوذ بعيداً عن الصراعات التقليدية، وبأدوات أكثر هدوءاً… لكنها لا تقل تأثيراً.